المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٩٣ - ذكر الخبر عن فتح مصر و الإسكندرية
ثم مضى و قد قضى الّذي عليه [١]، و تركنا على الواضحة، و كان مما أمرنا به الاعتذار إلى الناس، فنحن ندعوكم إلى الإسلام، فمن أجابنا إليه قبلناه، و من لم يجبنا إليه عرضنا عليه الجزية، و قد أعلمنا أننا مفتتحوكم، و أوصانا بكم حفظا لرحمنا/ فيكم، فإن لكم إن أجبتمونا إلى ذلك ذمة إلى ذمّة، و مما عهد إلينا أميرنا «استوصوا بالقبطيين خيرا» فإن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم أوصاني بالقبطيين خيرا، لأن لهم رحما و ذمة.
فقالا: قرابة بعيدة، فلا يصل مثلها إلا الأنبياء و أتباع الأنبياء معروفة شريفة، كانت بنت ملكنا، فصارت إلى إبراهيم، مرحبا بك و أهلا، أمّنا حتى نرجع إليك.
فقال عمرو: إن مثلي لا يخدع، و لكني أؤجلكما ثلاثا لتنظرا أو لينظر قومكما، و إلا ناجزتكم.
فقالا: زدنا. فزادهما يوما [٢]، قالا: زدنا. فزادهما يوما، فرجعا إلى المقوقس فهم، فأبي أرطبون [٣] أن يجيبهما، و أمر بمناجزتهم، فركب المسلمون أكتافهم، و قال أهل الفسطاط- يعني [٤] مصر- لملكهم: ما تريد إلى قوم قد قتلوا كسرى و قيصر، و غلبوهم على بلادهم، صالح القوم و كان صلحهم: هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر الأمان على أنفسهم، و أموالهم، و كنائسهم، و صليبهم، و عليهم أن يعطوا الجزية، و من دخل في صلحهم من الروم و النوب فله مثل ما لهم، و من أبى و اختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، فدخل في ذلك أهل مصر، و قبلوا الصلح.
فمصّر عمرو الفسطاط و تركه المسلمون، و أمّره عمر رضي اللَّه عنه عليها، فأقام بها، و وضع مسالح مصر على [٥] السواحل و غزة، و كان داعية ذلك أن قيصر غزا مصر و الشام في البحر [٦]، و نهد لأهل حمص بنفسه
.
[١] في الأصل: «قضى ما عليه».
[٢] في الأصل: «فزادهم يوما» و كذلك في الموضع التالي.
[٣] في الأصل: «أرطيون».
[٤] الفسطاط- يعني». ساقط من ت.
[٥] في الأصل: «و وضع مسالح أهل مصر».
[٦] في ت: «و البحر».