المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٠٦ - فصل حديث الأنبار
مرازبة فارس، أما بعد، فالحمد للَّه الّذي فرق كلمتكم، و فلّ حدّكم، و كسر شوكتكم، فأسلموا تسلموا، و إلا فأدوا الجزية، و إلا فقد جئتكم بقوم يحبون الموت، كما تحبون الخمر».
و كان [١] أهل فارس لموت أردشير مختلفين في الملك، و كانوا بذلك سنة، و المسلمون يمخرون ما دون دجلة و ليس لأهل فارس فيما بين الحيرة و دجلة أمر، و أمر خالد رسوليه أن يأتياه بالخبر، و أقام في عمله سنة، و منزله الحيرة، و يصعد و يصوب، و أهل فارس يخلعون و يملكون، و ذلك أن شيري بن كسرى قتل كل من كان يناسبه إلى كسرى بن قباذ، و وثب أهل فارس بعده و بعد أردشير، و بعد أردشير ابنه [٢]، فقتلوا كل من بين كسرى بن قباذ و بين بهرام جور، فبقوا لا يقدرون على من يملكونه ممن يجتمعون عليه.
و استقام لخالد من أسفل الفلاليج إلى أسفل السواد، و فرق سواد الحيرة على جماعة من أصحابه، و فرق سواد الأبلّة على جماعة من أصحابه
. فصل [حديث الأنبار] [٣]
قدم خالد إلى الأنبار، فطاف يخندقهم، و أنشب القتال، و كان قليل الصبر عن القتال، و تقدم إلى رماته، فقال: إني أرى أقواما لا علم لهم بالقتال، فارموا عيونهم فرموا رشقا واحدا [٤]، ففقئت ألف عين، فسميت تلك الوقعة ذات العيون، فأتى خالد أضيق مكان في الخندق [برذايا] [٥] الجيش، فرماهم فيها، فأفعمه، ثم اقتحم الخندق، فقهرهم. و سميت الأنبار لأنه كان فيها أنابير الحنطة و الشعير، و القت و التبن، و كان
[١] تاريخ الطبري ٣/ ٣٧٠، ٣٧١.
[٢] في الأصل: «و بعده ابنه» و ما أوردناه من أ.
[٣] تاريخ الطبري ٣/ ٣٧٣.
[٤] أي: فرموا وجها واحدا بجميع سهامهم.
[٥] ما بين المعقوفتين: بياض في الأصل، و الرذايا، جمع رذية، و هي الناقة المهزولة من السير.