المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٤٩ - و من الحوادث في هذه السنة ذكر الرمادة
افتتح غار بجبل لبنان فإذا فيه رجل مسجى على سرير من ذهب، و إلى جانبه لوح من ذهب مكتوب فيه بالرومية: أنا سابا بن بوناس بن سابا، خدمت عيص بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرب الأكبر، و عشت بعده دهرا طويلا، و رأيت عجبا كثيرا، فلم أر أعجب من غافل عن الموت و قد عاين مصارع آبائه، و وقف على قبور أحبائه، و علم أنه صائر إلى الموت لا محالة، و الّذي بعد الموت من حساب الديان أعظم، ورد حق المظلومين أعظم من الموت حقا، حفرت قبري هذا قبل أن أصل إليه [١] بمائة و خمسين عاما، و وضعت سريري هذا فيه أغدو و أروح، و قد علمت أن الحفاة الأجلاف الجاهلية يخرجوني من غاري هذا و ينزلوني عن سريري و هم يومئذ مقرون بربوبية الديان الأعظم، و عند ذلك يتغير الزمان، و يتأمر الصبيان، و يكثر الحدثان، و يظهر البهتان، فمن أدرك ذلك الزمان عاش قليلا، و مات ذليلا، و بكى كثيرا، و لا بد مما هو كائن أن يكون، و العاقبة للمتقين، و قد رأيت الثلج و البرد في تموز مرارا، فإن رأيتم ذلك فلا تعجبوا
. و من الحوادث في هذه السنة [ذكر الرمادة] [٢]
أن نفرا من المسلمين أصابوا الشراب، فكتب أبو عبيدة إلى عمر، كتابا و ذكر فيه: إنا سألناهم فتأولوا، و قالوا: خيرنا فاخترنا، قال: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [٣]. فكتب إليه عمر رضي اللَّه عنه إن المراد «فانتهوا». فادعهم، فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم، و إن زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين [جلدة] [٤]، فسألهم فقالوا: حرام، فجلدهم ثمانين [ثمانين] [٥]، فندموا على لجاجتهم، و قال: ليحدثن فيكم يا أهل الشام حادث،/ فحدثت الرمادة في هذه السنة.
[١] في أ: «أن أصير إليه».
[٢] تاريخ الطبري ٤/ ٩٦.
[٣] سورة: المائدة، الآية: ٩١.
[٤] ما بين المعقوفتين: من الطبري.
[٥] ما بين المعقوفتين: من أ، و الطبري.