المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٧٦ - و من ذلك أنه أنفذ جيش أسامة بن زيد و ارتد من ارتد
و قدم [١] أسامة بعد أن غاب شهرين و أياما، فاستخلفه أبو بكر على المدينة، و قال له و لجنده: أريحوا و أرعوا ظهوركم.
ثم خرج في الذين خرجوا إلى ذي القصة، و الذين كانوا على الأنقاب، فقال له المسلمون: ننشدك اللَّه يا خليفة رسول اللَّه أن تعرض نفسك، فإنك إن تصب لم يكن للناس نظام، و مقامك أشد على العدو،/ فابعث رجلا، فإن أصيب أمرت آخر، فقال:
و اللَّه لا أفعل و لأواسينكم بنفسي، فخرج في تعبيته إلى ذي القصة، فنزلها و هي على بريد من المدينة فقطع فيها الجنود.
فلما أراح [٢] أسامة و جنده ظهرهم و حموا قطع أبو بكر البعوث، و بلغ عقد الألوية، أحد عشر لواء على أحد عشر جندا، و أمر أمير كل جند باستنفار [٣] من مر به من المسلمين من أهل القوة، فعقد لخالد بن الوليد و أمره بطليحة بن خويلد، فإذا فرغ منه سار إلى مالك بن نويرة، و عقد لعكرمة بن أبي جهل و أمره بمسيلمة، و للمهاجر بن أبي أمية و أمره بجنود العنسيّ، و معونة الأبناء على قيس بن المكشوح، ثم يمضي إلى كندة بحضرموت. و لخالد بن سعيد بن العاص إلى الشام، و لعمرو بن العاص إلى قضاعة و وديعة و الحارث، و ما زال يعين لكل أمير قوما يقصدهم [٤].
و قال ابن إسحاق: ارتدت بعد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم عامة العرب، فأشار الناس على أبي بكر رضي اللَّه عنه بالكف عنهم، و أن يقبل منهم أن يصلوا و لا يؤتوا الزكاة، و قالوا:
نخاف أن تلج العرب كلها في الرجوع عن الإسلام، فقال: و اللَّه لو منعوني عقالا مما كانوا يؤدون إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم لقاتلتهم عليه، و و اللَّه لو كان الناس كلهم كذلك لقاتلتهم بنفسي حتى تذهب أو يكون الدين للَّه.
قال عمر بن الخطاب: ما بقي أحد من أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم لا أنا و لا غيري إلا و قد داخله فشل و طابت نفسه على ترك الزكاة لمن منعها غير أبي بكر، فو اللَّه ما هو إلا أن رأيت ما شرح اللَّه صدر أبي بكر من القيام بأمر اللَّه، فعرفت أنه الحق.
[١] تاريخ الطبري ٣/ ٢٤٧.
[٢] تاريخ الطبري ٣/ ٢٤٩.
[٣] في الأصل: «باستفسار»، و التصحيح من الطبري.
[٤] في الأصل: «يعضدهم»، و التصحيح من: أ.