المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٤٧ - وقعة القرقس
عسكره، و أخرب أبو عبيد ما كان/ حول معسكرهم من كسكر، و جمع الغنائم، و أخذ خزائن نرسي. و أقام أبو عبيد، و سرح المثنى إلى باروسما، و بعث والقا إلى الزوابي، و عاصما إلى نهر جوبر، فهزموا من كان تجمع، و أخربوا و سبوا، و كان مما أخرب المثنى و سبى أهل زندورد. و جاءوا إلى أبي عبيد بطعام أكرموه به، فقال: أكرمتم الجند كلهم بمثل هذا؟ قالوا: لا، قال: بئس المرء أبو عبيد، إن صحب قوما فاستأثر عليهم، لا و اللَّه لا نأكل إلا مثل ما يأكل أوساطهم
. [وقعة القرقس]
[١] ثم جاء بهمن جاذويه و معه راية كسرى و الفيل، فقال لأبي عبيد: إما أن تعبروا إلينا، و إما أن تدعونا نعبر إليكم، فقال الناس: لا تعبر أبا عبيد، فقال: لا يكونوا أجرأ على الموت منا، بل نعبر، فعبروا إليهم و اقتتلوا- و أبو عبيد فيما بين التسعة و العشرة- و كانت الخيول إذا نظرت إلى الفيلة عليها الحلية و الخيل [٢] عليها التجافيف [٣] لم تقدم خيولهم، و إذا حملوا على المسلمين فرقوهم [٤] و رموهم بالنشاب.
فترجل أبو عبيد و الناس، ثم قال للناس: أقصدوا الفيلة، و واثب هو الفيل الأبيض، فتعلق ببطانه فقطعه، و فعل القوم مثل ذلك، فما تركوا فيلا إلا حطوا رحله، و قتلوا أصحابه، و قتل من المشركين ستة آلاف في المعركة، و لم ينتظروا غير الهزيمة، فأهوى أبو عبيد، فنفخ مشفر الفيل بالسيف، فخبطه الفيل.
و كان أبو عبيد لما رأى الفيل، قال: ما هذا؟ و لم يكن رآه قط، فقالوا: هذا الفيل، فارتجز و قال:
يا لك من ذي أربع ما أكبرك. * * * يا لك من يوم وغى ما أمكنك
[١] تاريخ الطبري ٣/ ٤٥٤. و يقال لها: الناطق، و الجسر، و المروحة».
[٢] في تاريخ الطبري ٣/ ٤٥٦: «عليها النخل و الخيل».
[٣] التجافيف: من آلات الحرب، يوضع على الفرس تبقى بها كالدرع للإنسان.
[٤] في الأصل: «مزقوهم».