المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٥٥ - ٢٤٢- عروة بن حزام بن مهاجر
إلى أبيها فاعتذر إليه و قال: قد سميتها باسم ابن أخي، فما لغيره إليها سبيل، فقال له:
إني أرغبك في المهر، فقال: لا حاجة لي في ذلك، فعدل إلى أمها فوافق عندها قبولا و رغبة في المال، فجاءت إلى زوجها، فقالت: و أي خير في عروة حتى تحبس ابنتي عليه، و اللَّه ما تدري أ عروة حيّ أم ميت، و هل ينقلب إليك بخير أم لا، فتكون قد حرمت ابنتك خيرا حاضرا، فلم تزل به حتى قال: إن عاودني خاطبها أجبته، فوجهت إليه: أعد غدا خاطبا، فنحر جزورا و أطعم و وهب و جمع الحيّ على طعامه و فيهم أبو عفراء، و أعاد الخطبة فزوجه و حولت عفراء إليه، فقال قبل أن يدخل بها: يا عروة إن الحيّ قد نقضوا عهد اللَّه و حاولوا الغدران.
ثم دخل بها زوجها و أقام فيهم ثلاثا ثم ارتحل إلى الشام، و عمد أبوها إلى قبر عتيق، فجدده و سواه، و سأل أهل الحيّ كتمان أمرها، و قدم عروة بعد أيام، فنعاها أبوها إليه و ذهب به إلى ذلك القبر، و كان يختلف إليها أياما حتى أخبرته جارية/ من الحيّ الخبر، فركب بعض إبله فدخل الشام فنزل على الرجل و هو لا يعرفه، فأكرمه، فقال لجارية لهم: هل لك في يد تولينيها؟ قالت: نعم، قال: تدفعين خاتمي هذا إلى مولاتك، فقالت: سوءة لك، أ ما تستحي من هذا القول، فأمسك ثم أعاد عليها، و قال: ويحك هي و اللَّه بنت عمي، فاطرحي هذا الخاتم في صبوحها فإن أنكرت عليك فقولي: اصطبح ضيفنا قبلك و لعله سقط منه، فرقت الأمة و فعلت، فلما رأت عفراء الخاتم قالت:
أصدقيني فأصدقتها، فلما جاء زوجها قالت: أ تدري من ضيفك؟ إنه عروة بن حزام، و قد كتم نفسه حياء منك، فبعث إليه و عاتبه على كتمانه نفسه، و قال له: بالرحب و السعة نشدتك اللَّه إن رمت هذا المكان أبدا، و خرج و تركه مع عفراء يتحدثان، و أوصى خادما له بالاستماع عليهما و إعادة ما يسمعه منهما.
فلما خليا تشاكيا ما وجدا من الفراق و طالت الشكوى و هو يبكي أحرّ بكاء، ثم أتته بشراب و سألته أن يشربه، فقال: و اللَّه ما دخل جوفي حرام قط، و لا ارتكبته منذ كنت، و لو استحللت حراما كنت قد استحللته منك و أنت حظي من الدنيا و قد ذهبت مني و ذهبت منك، فما أعيش بعدك، و قد أجمل هذا الرجل الكرم و أحسن، و أنا أستحي منه، و و اللَّه لا أقيم بعد علمه بمكاني، و إني لعالم أني أرحل إلى منيتي. فبكت و بكى و انصرف.