المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٥٦ - ٢٤٢- عروة بن حزام بن مهاجر
فلما جاء زوجها أخبره الخادم بما جرى بينهما، فقال: يا عفراء، امنعي ابن عمك من الخروج،/ فقالت: لا يمتنع، و هو و اللَّه أكرم و أشد حياء أن يقيم بعد ما جرى بينكما، فدعاه و قال: يا أخي: اتّق اللَّه في نفسك فقد عرفت خبرك و أنك إن رحلت تلفت، و و اللَّه ما أمنعك من الاجتماع معها أبدا، و إن شئت لأنزلن لك عنها. فجزاه خيرا و أثنى عليه، و قال: إنها كان الطمع فيها، و الآن فقد يئست و حملت نفسي على الصبر، ولي أمور لا بد من الرجوع إليها، و إن وجدت بي قوة، و إلا عدت إليكم و زرتكم.
فزودوه و شبعوه، و انصرف، فأصابه غشي و خفقان. فكان كلما أغمي عليه ألقى على وجهه خمارا كانت عفراء قد زودته إياه فيفيق، فلقيه في طريقه عراف اليمامة ابن مكحول، فسأله عما به و هل به خبل، فقال:
و ما بي من خبل و ما بي جنة * * * و لكنّ عمي يا أخيّ كذوب
أقول لعراف اليمامة داوني * * * فإنك إن داويتني لطبيب
فوا كبدي أمست رفاتا كأنما * * * يلذعها بالموقدان لهيب
عشية لا عفراء منك بعيدة * * * فتسلو و لا عفراء منك قريب
فو اللَّه ما أنساك ما هبت الصبا * * * و ما عقبتها في الرياح جنوب
و إني ليغشاني لذكراك روعة * * * لها بين جلدي و العظام دبيب
و قال يخاطب رفيقيه:
خليلي من عليا هلال بن عامر * * * بصنعاء عوجا اليوم فانتظراني
فلا تزهدا في الذخر عندي و أجملا * * * فإنكما بي اليوم مبتليان
ألمّا على عفراء إنكما غدا * * * بوشك النوى و البين مفترقان
فيا واشيي عفراء و يحكما بمن * * * و من و إلى من حيثما تشياني
بمن لو رآه غائبا لفديته * * * و من لو رآني غائبا لفداني
متى تكشفا عني القميص تبيّنا * * * بي الضرّ من عفراء يا فتيان
فقد تركتني لا أعي لمحدث * * * حديثا و إن ناجيته و نجاني
جعلت لعراف اليمامة حكمه * * * و عراف حجران هما شفياني
فما تركا من حيلة يعلمانها * * * و لا شربة إلا بها سقياني