المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٥٨ - ٢٤٢- عروة بن حزام بن مهاجر
جدي محمد بن عبد الكريم، حدّثنا الهيثم بن عدي، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه] [١]، عن النعمان بن بشير، قال:
استعملني عمر بن الخطاب- أو عثمان بن عفان، شك الهيثم- على صدقات سعد بن هذيم، و هم عذرة، و سلامان، و الحارث، و هم من قضاعة، فلما قبضت الصدقة و قسمتها بين أهلها، و أقبلت بالسهمين الباقيين إلى عمر- أو إلى عثمان- فلما كنت في بلاد عدي في حيّ يقال لهم بنو هند، إذا أنا ببيت جرير، فملت إليه، فإذا عجوز جالسة عند كسر البيت، و إذا شاب نائم في ظل البيت، فلما دنوت سلمت، فترنم بصوت له ضعيف:
جعلت لعراف اليمامة حكمة * * * و عراف حجران هما شفياني
فذكر الأبيات، فشهق شهقة خفيفة، فنظرته فإذا هو قد مات، فقلت: أيها العجوز، ما أظن هذا النائم بفناء بيتك إلا قد مات، قالت: و اللَّه إني لأظن ذلك، فقامت فنظرت إليه، فقالت: فاض و رب محمد، فقلت: يا أمة اللَّه، من هذا؟ قالت: عروة بن حزام و أنا أمه، قلت: فما صيره إلى هذا؟ قالت: العشق، و لا و اللَّه ما سمعت/ له أنّه منذ سنة إلا في صدره و في يومنا هذا، فإنّي سمعته يقول:
من كان من أمهاتي باكيا أبدا * * * فاليوم إني أراني اليوم مقبوضا
تستمعيه فإنّي غير سامعة * * * إذا علوت رقاب القوم معروضا
قال النعمان: فأقمت و اللَّه عليه حتى غسل و كفن و حنط، و صلي عليه، و دفن.
قال: قلت للنعمان: فما دعاك إلى ذلك؟ قال: احتساب الأجر فيه و اللَّه.
و قد ذكر أبو داود في كتاب الزهرة: ان عروة بن حزام لما مات مر به ركب فعرفوه، فلما انتهوا إلى منزل عفراء صاح بعضهم، فقال:
ألا أيها القصر المعقل أهلها * * * بحق نعينا عروة بن حزام
فأجابته فقالت:
ألا أيها الركب المخبون ويحكم * * * بحق نعيتم عروة بن حزام
[١] ما بين المعقوفتين: من أ، و في الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن النعمان بن بشير».