المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٣٧ - ذكر وصيته لعماله و تعاهده إياهم
عن الربيع] [١]/ و أبي عثمان و أبي الحارثة و أبي المجالد بإسنادهم، قالوا:
كان عمر بن الخطاب إذا بعث عماله يشترط عليهم: أن لا تتخذوا على المجالس التي تجلسون فيها للناس بابا، و لا تركبوا البراذين، و لا تلبسوا الثياب الرقاق، و لا تأكلوا النقي، و لا تغيبوا عن صلاة الجماعة، و لا تطمعوا فيكم السعاة.
فمر يوما في طريق من طرق المدينة و في ناحية [منها] [٢] رجل يسأل، فقال: يا عمر تستعمل العمال و تعهد إليهم عهدك، ثم ترى أن ذلك قد أجزاك، كلا و اللَّه إنك لمأخوذ إذا لم تعاهدهم، قال: و ما ذلك؟ قال: عياض بن غنم يلبس اللين، و يفعل و يفعل، فقال: أ ساع؟ قال: بل مؤدي الّذي عليه فبعث إلى محمد بن مسلمة أن الحق بعياض بن غنم فاتني به كما تجده، فانتهى إلى بابه و إذا عليه بواب، فقال له: قل لعياض على الباب رجل يريد أن يلقاك، قال: ما تقول؟ قال: قل له ما أقول لك. فذهب كالمتعجب، فأخبره، فعرف عياض انه أمر حدث، فخرج فإذا محمد بن مسلمة، فرحب به و قال: ادخل، و إذا عليه قميص رقيق لين، فقال: إن أمير المؤمنين أمرني أن لا يفارق سوادي سوادك حتى أذهب بك كما أجدك، و نظر في أمره فوجد الأمر كما حدثه السائل.
فلما قدم به على عمر و أخبره، دعا بدراعة و كساء و حذاء و عصا، و قال: أخرجوه من ثيابه، فأخرج منها و ألبسه ذلك، ثم قال: انطلق بهذه الغنم فأحسن رعيتها و سقيها و القيام عليها، و اشرب من ألبانها، و اجتز من أصوافها، و ارفق بها، فإن فضل شيء فأردده علينا. فلما مضى رده، و قال: أ فهمت؟/ قال: نعم، و الموت أهون من هذا، قال: كذبت، و لكن ترك الفجور أهون من هذا. ثم قال له: أ رأيت لو رددتك أ تراه يكون فيك خير؟ قال: نعم و اللَّه يا أمير المؤمنين، و لا يبلغنك عني شيء بعد هذا، فرده و لم يبلغه عنه شيء إلا ما أحب حتى مات.
[و حدّثنا سيف، عن عبد الملك] [٣]، عن عاصم، قال: مات عياض بن غنم بعد أبي عبيدة، فأمر عمر على عمله سعيد بن عامر بن جذيم، فمات سعيد فأمر عمر مكانه عمير بن سعيد الأنصاري.
[١] ما بين المعقوفتين: من أ، و الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن أبي عثمان».
[٢] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، و أوردناه من أ.
[٣] في الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن عاصم».