المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٩٤ - ذكر زوال السنة السيئة التي كانت في نيل مصر
ذكر زوال السنة السيئة التي كانت في نيل مصر [١]
[أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال: أخبرنا أبو عبد اللَّه محمد بن علي الصوري قال: حدّثنا عبد الرحمن بن عمير بن النحاس قال:
أخبرنا محمد بن حفص الحضرميّ قال: حدّثنا حسن بن عرفة الأنصاري قال: حدّثني هانئ بن المتوكل قال: حدّثنا ابن لهيعة] عن قيس بن الحجاج [٢] قال: لما فتحت مصر أتى أهلها إلى عمرو بن العاص حين دخل بؤونة من أشهر العجم، فقالوا له:/ أيها الأمير، إن لنيلنا هذا سنّة لا يجري إلا بها. فقال لهم: و ما ذاك؟ قالوا: إذا دخلت ثنتا عشرة ليلة من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها، فأرضينا أباها، و حملنا عليها من الحلي و الثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في النيل. قال لهم: إن هذا لا يكون في الإسلام، إن الإسلام يهدم ما كان قبله. فأقاموا بؤونة، و أبيب، و مسرى لا يجري قليلا و لا كثيرا، حتى هموا بالجلاء عنها [٣]، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص كتب إلى عمر رضي اللَّه عنه بذلك، فكتب إليه عمر: «إنك قد أصبت، لأن الإسلام يهدم ما كان قبله» و كتب بطاقة داخل كتابه، و كتب إلى عمرو: «إني قد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي، فألقها في النيل» فلما قدم كتاب عمر إلى عمرو بن العاص أخذ البطاقة، فإذا فيها: «من عبد اللَّه أمير المؤمنين إلى نيل مصر، أما بعد: فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر، و إن كان اللَّه الواحد القهار هو الّذي يجريك فنسأل اللَّه الواحد القهار أن يجريك» فألقى البطاقة في النيل قبل يوم الصليب بيوم و قد تهيأ [٤] أهل مصر للجلاء و الخروج، لأنه لا تقوم مصلحتهم فيها إلا بالنيل. فلما ألقى البطاقة [أصبحوا] [٥] يوم الصليب و قد أجراه اللَّه ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة، فقطع اللَّه تلك السّنّة السوء عن أهل مصر إلى اليوم.
و في هذه السنة:
غزا أبو بحريّة الكندي عبد اللَّه بن قيس أرض الروم، و هو أول من دخلها فيما
[١] انظر البداية و النهاية ٧/ ١١١، ١١٢.
[٢] في الأصل: «روى المؤلف بإسناده عن قيس بن الحجاج». و حذف باقي السند، و أثبتناه من ت.
[٣] في ت: «بالجلاء منها».
[٤] في الأصل: «قد تهيأوا أهل مصر».
[٥] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، و أثبتناه من ت.