المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٥٣ - ٢٤٢- عروة بن حزام بن مهاجر
و قلت لعرّاف اليمامة داوني * * * فإنك إن داويتني لطبيب
فما بي من حمّى و ما بي جنة * * * و لكن عمي الحميريّ كذوب
ثم ان عروة انصرف إلى أهله و أخذه البكاء و الهلاس حتى نحل، فلم يبق منه شيء، فقال بعض الناس: هو مسحور، و قال قوم: به جنة، و قال آخرون: بل هو موسوس، و ان بالحاضر من اليمامة لطبيبا له تابع من الجن، و هو أطب الناس، فلو أتيتموه فلعل اللَّه يشفيه.
فساروا إليه من أرض بني عذرة حتى داواه، فجعل يسقيه و ينشر عنه، و هو يزداد سقما، فقال له عروة: هل عندك للحب دواء أو رقية، فقال: لا و اللَّه. فانصرفوا حتى مروا بطبيب بحجر، فعالجه [١] و صنع به مثل ذلك،/ فقال له عروة: و اللَّه ما دائي و لا دوائي إلا شخص بالبلقاء مقيم، فهو دائي و عنده دوائي. فانصرفوا به، فأنشأ عند ذلك و جعل يقول عند انصرافهم به:
جعلت لعراف اليمامة حكمه * * * و عراف نجد إن هما شفياني
فقالا نعم يشفى من الداء كله * * * و قاما مع العواد يبتدران
فما تركا من رقية يعلمانها * * * و لا سلوة إلا و قد سقياني
فقال شفاك اللَّه و اللَّه ما لنا * * * بما ضمنت منك الضلوع يدان
فلما قدم على أهله، و كان له أخوات أربع و والدة و خالة، فمرضنه دهرا، فقال لهن يوما: اعلمن أني لو نظرت إلى عفراء نظرة ذهب وجعي، فذهبوا به حتى نزلوا البلقاء مستخفين، و كان لا يزال يلم بعفراء و ينظر إليها، و كانت عند رجل كريم كثير المال و الحاشية، فبينا عروة بسوق البلقاء لقيه رجل من بني عذرة فسأله عن حاله و مقدمه فأخبره، فقال: و اللَّه لقد سمعت أنك مريض و أراك قد صححت، فلما أمسى دخل الرجل على زوج عفراء، فقال: متى قدم هذا الكلب عليكم الّذي فضحكم، قال زوج عفراء: أي كلب هو؟ قال: عروة، قال: و قد قدم؟ قال: نعم، قال: أنت أولى بها من أن تكون كلبا، ما علمت بقدومه، و لو علمت لضممته إليّ.
[١] في الأصل: «فعاده».