المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٠٣ - ٢٢٣- عياض بن غنم بن زهير الفهري
قال: و اللَّه إن كنت لأكره ذكره ليس لي و لأهلي خادم فأعجن عجيني، ثم أجلس حتى يختمر، ثم أخبز خبزي، ثم أتوضأ، ثم أخرج إليهم. فقال: ما تشكون منه؟ فقالوا: لا يجيب أحدا بالليل. قال: ما يقولون؟ قال: إن كنت لأكره ذكره إني جعلت النهار لهم و الليل للَّه عز و جل. قال: و ما تشكون منه؟ قالوا: إن له يوما في الشهر لا يخرج إلينا فيه.
قال: ما يقولون؟ قال: ليس لي خادم يغسل ثيابي و لا لي ثياب أبدلها، فأجلس حتى تجفّ، ثم أدلكها، ثم أخرج إليهم من آخر النهار. قال: ما تشكون منه؟ قالوا: يغبط الغبطة بين الأيام. قال: ما يقولون؟ قال: شهدت مصرع حبيب الأنصاري بمكة، و قد بضعت قريش لحمه/، ثم حملوه على جدعه، فقالوا: أ تحب أن محمدا مكانك؟ قال:
و اللَّه ما أحب أني في أهلي و ولدي، و أن محمدا أشيك بشوكة. ثم نادى: يا محمد، ما ذكرت ذلك اليوم، و تركي نصرته في تلك الحال و أنا مشرك لا أؤمن باللَّه العظيم إلا ظننت أن اللَّه لا يغفر لي ذلك الذنب أبدا، فتصيبني تلك الغبطة. فقال عمر: الحمد للَّه الّذي لم يقبل فراستي. فبعث إليه بألف دينار، و قال: استعن بها على أمرك. فقالت امرأته: الحمد للَّه الّذي أغنانا عن خدمتك. فقال لها: فهل لك في خير من ذلك ندفعها إلى من يأتينا بها أحوج ما يكون إليها. قالت: نعم. فدعى رجلا من أهله يثق به، فصرّرها صررا، ثم قال: انطلق بهذه إلى أرملة آل فلان، و إلى يتيم آل فلان، و إلى مسكين آل فلان، و إلى مبتلى آل فلان، فبقيت منها ذهبية، فقال: انفقي هذه. ثم عاد إلى عمله. فقالت: ألا تشتري لنا خادما، ما فعل ذلك المال؟! قال: سيأتيك أحوج ما تكونين.
توفي سعيد في هذه السنة
. ٢٢٣- عياض بن غنم بن زهير الفهري [١].
شهد الحديبيّة مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، و حضر فتح المدائن مع سعد بن أبي وقاص، و فتح فتوحا كثيرة ببلاد الشام، و نواحي الجزيرة، و لما احتضر أبو عبيدة [٢] بالشام ولى عياض بن غنم عمله، فأقره عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه و بعثه سعد إلى
[١] تاريخ بغداد ١/ ١٨٣، ١٨٤. و البداية و النهاية ٧/ ١١٣، ١١٤.
[٢] في ت: «عبدة».