المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢١ - ذكر أخبار الأسود العنسيّ و مسيلمة و سجاح و طليحة
و كان فيه دهاء فكذب لهم و ادعى النبوة، و تسمى برحمان اليمامة، لأنه كان يقول: الّذي يأتيني اسمه رحمان، و خاف أن لا يتم له مراده لأن قومه شاغبوه، فقال: هو كما يقولون إلا أنني قد أشركت معه، فشهد لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم بأنه نبي، و ادعى أنه قد أشرك معه في النبوة، و جعل يسجع لهم و يضاهي القرآن، فمن قوله: سبح اسم ربك الأعلى الّذي يستر على الحبلى فأخرج منها نسمة تسعى من بين أضلاع وحشي. و يا ضفدعة بنت الضفدعين نقي ما تنقين و سبحي فحسن ما تسبحين للطين تغني سنين و الماء تلبسين، ثم لا تكدرين و لا تفسدين فسبحي لنا فيما تسبحين. و كانوا قد سمعوا منه.
و من قوله لعنه اللَّه: و الليل الأطحم [١]، و الذئب الأدلم [٢] و الجذع الأزلم [٣] ما انتهكت أسيد من محرم. و كان يقصد بذلك نصرة أسيد على خصوم لهم.
و قال:/ و الليل الدامس و الذئب الهامس ما قطعت أسيد من رطب و لا يابس.
و قال: و الشاة و ألوانها، و أعجبها السود و ألبانها، و الشاة السوداء و اللبن الأبيض، إنه لعجب محض، و قد حرم المذق، ما لكم لا تمجعون.
و كان يقول: و المبذرات زرعا، و الحاصدات حصدا، و الذاريات قمحا، و الطاحنات طحنا، و الخابزات خبزا، و الثاردات ثردا [٤]، و اللاقمات لقما، إهالة و سمنا، لقد فضلتم على أهل الوبر، و ما سبقكم أهل المدر، ريفكم فامنعوه.
و أتته امرأة، فقالت: ادع اللَّه لنخلنا و لمائنا فإن محمدا دعا لقوم فجاشت آبارهم، فقال: و كيف فعل محمد؟ قالت: دعي بسجل، فدعا لهم فيه ثم تمضمض و مجه فيه، فأفرغوه في تلك الآبار، ففعل هو كذلك فغارت تلك المياه.
و قال له رجل: برك على ولدي، فإن محمدا يبرك على أولاد أصحابه، فلم يؤت
[١] الأطحم، الطحمة: سواد الليل.
[٢] الأدلم: الأسود الطويل.
[٣] الجذع الأزلم: الدهر.
[٤] ثرد الخبز ثردا: فتّه ثم بله بمرق.