المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٦٨ - فمن الحوادث فيها قصة القادسية
و رمحه معلوب [١] بقدّ، معه حجفة [٢] من جلود البقر، فجاء حتى جلس على الأرض، و قال: إنا لا نستحب القعود على زينتكم، فكلمه و قال: ما جاء بكم؟ قال: اللَّه جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة/ اللَّه، من جور الأديان إلى عدل الإسلام، فمن قبل ذلك قبلنا منه، و من أبى قاتلناه حتى نفضي إلى موعود اللَّه. قال: و ما [هو] موعود اللَّه؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبي، و الظفر لمن بقي.
فقال رستم [٣]: هل لكم أن تؤخروا هذا الأمر لننظر فيه و تنظروا، قال: إنا لا نؤجل أكثر من ثلاث.
فخلص [٤] رستم برؤساء أهل فارس، و قال: ما ترون، هل رأيتم قط كلاما أوضح و أعز من كلام هذا؟ قالوا: معاذ اللَّه أن تميل إلى شيء من هذا و تدع دينك لهذا الكلب، أما ترى إلى ثيابه، فقال: و يحكم لا تنظرون إلى الثياب، و لكن انظروا إلى الرأي و الكلام و السيرة، إن العرب تستخف باللباس و المأكل و يصونون الأحساب.
فرجع ربعي [٥] إلى أن ينظروا في الأجل، فلما كان في الغد بعثوا: [أن] ابعث إلينا ذلك الرجل، فبعث إليهم سعد حذيفة بن محصن، فلما جاء إلى البساط قالوا: انزل، قال: ذاك لو جئتكم في حاجتي [٦]، الحاجة لكم لا لي، فجاء حتى وقف و رستم على سريره، فقال له: انزل، قال: لا أفعل، فقال: ما بالك و لم يجئ صاحبنا بالأمس؟
قال: أميرنا يحب أن يعدل بيننا في الشدة و الرخاء، و هذه نوبتي، فتكلم بنحو ما تكلم به ربعي، و رجع.
فلما كان [٧] من الغد أرسلوا: ابعث لنا رجلا، فبعث اليهم المغيرة بن شعبة،
[١] في الأصل: «ملعوب»، و في أ: «معصوب»، و ما أوردناه من الطبري.
و معناه: علب الرمح، فهو معلوب، أي حزم مقبضه بعلباء البعير و هو عنقه.
[٢] الجحفة: الرأس.
[٣] تاريخ الطبري ٣/ ٥٢٠.
[٤] تاريخ الطبري ٣/ ٥٢٠.
[٥] تاريخ الطبري ٣/ ٥٢١.
[٦] في الأصل: «في حاجة».
[٧] تاريخ الطبري ٣/ ٥٢٢.