المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٦٥ - فمن الحوادث فيها قصة القادسية
ثم نزل مما يلي الفرات، و دعا أهل الحيرة، فقال: فرحتم بدخول العرب [علينا] بلادنا، و كنتم عونا لهم علينا، و قويتموهم بالأموال، فقالوا: و اللَّه ما فرحنا بمجيئهم، و ما هم على ديننا، و أما قولك: كنتم عونا لهم، فما يحوجهم إلى ذلك و قد هرب أصحابكم منهم و خلّوا لهم القرى [١]، و قولك: «قويناهم بالأموال»، فإنا صانعنا [هم بالأموال] عن أنفسنا.
فارتحل رستم فنزل النجف، و كان بين خروجه من المدائن إلى أن لقي سعدا أربعة أشهر لا يقدم و لا يقاتل، رجاء أن يضجروا بمكانهم، و إن يجهدوا فينصرفوا، و كره قتالهم، فطاولهم و الملك يستعجله، و عهد عمر إلى سعد و المسلمين أن ينزلوا على حدود أرضهم و أن يطاولهم، فنزلوا القادسية، و قد وطنوا أنفسهم على الصبر و المطاولة، فكانوا يغيرون على السواد، فانتسفوا ما حولهم و أعدوه للمطاولة.
و كان عمر يمدهم، و قال بعض الناس لسعد: قد ضاف بنا المكان فأقدم، فزبره و قال: إذا كفيتم الرأي فلا تكلفوه، و خرج سواد و حميضة في مائة مائة، فأغاروا على النهرين، و قد كان سعد نهاهما أن يمعنا، و بلغ ذلك رستم، فبعث خيلا، فبعث سعد إليهم قوما فغنموا و سلموا. [٢]
و مضى طليحة حتى دخل عسكر رستم، و بات فيه يحرسه و ينظر.
فلما أدبر الليل أتى أفضل من توسم في ناحية العسكر، فإذا فرس لهم [٣] لم ير في خيل القوم مثله، فانتضى سيفه فقطع مقود الفرس ثم ضمه إلى مقود فرسه ثم حرمك فرسه، فخرج يعدو، و نذر به [الرجل] [٤] و القوم، فركبوا الصعب و الذلول و خرجوا في طلبه، فلحقه فارس، فعدل إليه طليحة فقصم ظهره بالرمح، ثم لحق به آخر، ففعل به مثل ذلك، ثم لحق به آخر فكر عليه طليحة و دعاه إلى الإسار فاستأسر، فجاء به الى سعد فأخبره الخبر، فقال للأسير: تكلم، فقال: قد باشرت الحروب و غشيتها، و سمعت بالأبطال و لقيتها، ما رأيت و لا سمعت بمثل هذا، أن رجلا قطع عسكرين لا
[١] في الأصل: «و قد خلوا القرى أصحابك و هربوا».
[٢] تاريخ الطبري ٣/ ٥١٣.
[٣] في الأصل: «فإذا فرس له».
[٤] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، و أوردناه من أ.