المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٩ - ذكر طرف من مواعظ عيسى عليه السلام
فلك فيه رزق. و لا تحمل هم شتائك و صيفك على يومك، حسب هم كل يوم بما فيه.
يا معشر الحواريين. إن ابن آدم خلق في الدنيا على أربعة منازل، فهو في ثلاثة منها/ باللَّه واثق، و ظنه باللَّه حسن، و هو في الرابعة سيّئ ظنه بربه يخاف خذلان اللَّه إياه.
أما المنزلة الأولى، فإنه يخلق في بطن أمه خلقا من بعد خلق، في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن، و ظلمة الرحم، و ظلمة المشيمة، يدر اللَّه عليه رزقه في ظلمة البطن، فإذا خرج من البطن وقع في اللبن، لا يسعى إليه بقدم، و لا يتناوله بيده، و لا ينهض إليه بقوة بل يكره عليه، حتى يرتفع عن اللبن و يفطم، و يقع في المنزلة الثالثة بين أبوين يحنّان عليه [١]، فإذا ماتا و تركاه يتيما تعطف عليه الناس، يطعمه هذا و يكسوه هذا رحمة له، حتى إذا بلغ منزلته الرابعة و استوى خلقه و اجتمع حتى انه لا يرزقه إلا اللَّه، اجترأ على اللَّه، و غدا على الناس يقاتلهم على الدنيا.
يا معشر الحواريين، اعتبروا بالطير، هل رأيتم طيرا قط يدخر، و كذلك البهائم و السباع، الحق أقول لكم أمسيتم في زمان [قوم] [٢] كلامهم كلام الأنبياء، و فعالهم فعال السفهاء، كلامهم دواء يبرئ الداء، و قلوبكم ما تقبل الدواء. قلوبكم تبكي من أعمالكم، أصبحت الدنيا عندكم بمنزلة العروس المجليّة يعشقها كل من يراها، و هي بمنزلة الحية، لين لمسها، يقتل سمها.
يا معشر الحواريين، ليكن همكم من الدنيا أنفسكم تفوزوا بها، و لا تكن همّكم بطونكم و فروجكم، تملئوها من الطعام و تضمروها من الحكمة، كلوا خبز الشعير، و ملح الجريش، و اخرجوا من الدنيا سالمين. و اعلموا أن النظر إلى النساء سهم من سهام إبليس مسموم، و هو يزرع الشهوة في القلب، و ان مثل الحكيم يعمل حكمته كمثل الشمس تضيء للخلائق و لا تحرق نفسها، و إن مثل الحكيم [٣] الّذي لا يعمل بحكمته كمثل السراج يضيء لمن حوله، و يحرق نفسه.
[١] في الأصل: «بين أبوان يكسبان عليه». و التصحيح من: ت.
[٢] ما بين المعقوفتين: سقط من الأصل.
[٣] «الحكيم». سقطت من ت.