المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٨٦ - فصل
عظيمة، و هرب سابور فيمن بقي من جنده، و احتوى لليانوس على مدينة سابور [١]، و ظفر ببيوت أمواله، و كتب سابور إلى من بالآفاق من جنوده يعلمهم بما لقي، و يأمرهم أن يقدموا عليه، فاجتمعت إليه الجيوش، فانصرف فحارب لليانوس، فاستنقذ [٢] منهم محلته و كان لليانوس يوما جالسا فأصابه سهم غرب [٣] فقتله، فتحير جنوده و سألوا يوسانوس أن يتملك عليهم فأبى و قال: أنا على ملّة النصرانية، و الرؤساء يخالفون في الملّة. فأخبرته الروم أنّهم على ملّته، و إنما كانوا يكتمون ذلك لمخافة لليانوس، فملّكوه عليهم، و أظهروا النّصرانيّة.
فلما علم سابور بهلاك لليانوس أرسل إلى قوّاد جنود الروم أن [٤] سرّحوا [٥] إلينا رئيسا منكم، فأتاه يوسانوس في ثمانين رجلا، فتلقّاه و عانقه شكرا لما كان منه في أمره، و أرسل سابور إلى قوّاد جند الروم:
إنكم لو ملكتم غير يوسانوس لجرى هلاككم، و إنما تمليكه سبب نجاتكم.
و قوي أمر يوسانوس، ثم قال: إنّ الروم قتلوا بشرا كثيرا من بلادنا، و خرّبوا عمرانها، فإمّا أن يدفعوا إلينا قيمة ما أفسدوا، و إمّا أن يعوّضونا من ذلك نصيبين من بلاد فارس. و إنما غلب عليها الروم، فدفعوا إليه نصيبين، فبلغ أهلها فخرجوا عنها لعلمهم مخالفة سابور لدينهم، فنقل سابور اثني عشر ألف بيت من أهل إصطخر و أصبهان و غيرها إلى نصيبين، و انصرف يوسانوس إلى مملكة الرّوم، فبقي زمنا يسيرا ثم هلك.
و إنّ سابور ضري بقتل العرب، و نزع أكتاف رؤسائهم، و كان ذلك سبب تسميتهم إيّاه: ذا الأكتاف.
و ذكر بعض العلماء بالأخبار [٦] أنّ سابور لما أثخن في العرب/ و أجلاهم عن
[١] و اسمها: «طيسبون» كما ذكر الطبري ٢/ ٥٩.
[٢] في ت: «فاستقد».
[٣] سهم غرب: لا يعلم راميه.
[٤] «أن» سقطت من ت.
[٥] في الأصل: «يسرحوا».
[٦] «و ذكر بعض العلماء بالأخبار» سقطت من ت. و في هذا الموضع في الأصل تكرار و تداخل أصلحناه و ما يوافق النسخة ت و الطبري.