المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٦٤ - ذكر الأحداث/ المتعلقة بالعرب
قال: تنجو بها و هو الأصح [١]- فأنف جذيمة من ذلك، و سارت به الجيوش، فلما رأى قصير أن جذيمة قد استسلم للأسر و أيقن بالقتل جمع نفسه، فصار على ظهر العصا و أعطاها عنانها و زجرها، فذهبت به تهوي هويّ الريح [٢]، فنظر إليه جذيمة و هي تتطاول به.
و أشرفت الزّباء من قصرها، فقالت: ما أحسنك من عروس/ تجلى عليّ و تزف إليّ. حتى دخلوا [به] [٣] على الزّباء و لم يكن معها في قصرها إلا جوار أبكار أتراب، و كانت جالسة على سريرها و حولها ألف وصيفة، كل واحدة لا تشبه صاحبتها في خلق و لا زي، و هي بينهن كأنها قمر قد حفّت به النجوم تزهر، و أمرت بالأنطاع [٤] فبسطت، و قالت لوصيفاتها: خذوا بيد سيدكن و بعل مولاتكن. فأخذن بيده، فأجلسنه على الأنطاع بحيث تراه و يراها، [و تسمع كلامه و يسمع كلامها] [٥]، ثم أمرت الجواري فقطعن دواهيه، و وضعت الطشت تحت يده، فجعلت دماؤه تشخب في الطشت، فقطرت قطرة في النطع، فقالت لجواريها: لا تضيّعوا دم الملك، فقال جذيمة: لا يحزنك دم أراقه أهله.
فلما مات قالت: و اللَّه ما و في دمك و لا شفى قتلك، و لكنه غيض [٦] من فيض. ثم أمرت به فدفن.
و كان جذيمة قد استخلف على مملكته ابن أخته: عمرو بن عديّ، و كان يخرج كل يوم إلى ظهر الحيرة يطلب الخبر، و يقتفي الأثر من خاله، فخرج ذات يوم ينظر إلى فارس [قد أقبل] [٧] تهوي به فرسه هويّ الريح، فقال: أما الفرس ففرس جذيمة، و أما الراكب فكالبهيمة لأمر ما جاءت العصا، فأشرف عليهم قصير، فقالوا: ما وراءك؟ قال:
سعى القدر بالملك إلى حتفه رغم أنفي [٨] و أنفه فاطلب بثأرك من الزّباء، فقال عمرو:
[١] «أو قال: تنجو بها و هو الأصح» لم يثبتها الناسخ لأنه اختارها في المتن.
[٢] في ت: «فذهبت تهوي به هوي».
[٣] ما بين المعقوفتين سقطت من الأصل، و أثبتناه من ت.
[٤] الأنطاع: جمع نطع، و النطع من الأدم.
[٥] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، و أثبتت من ت.
[٦] في الأصل (غيظ) و ما أثبتناه من: ت.
[٧] ما بين المعقوفتين في الأصل، و أثبتناه في ت.
[٨] في ت: «على الرغم من أنفي و أنفه».