المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٩١ - حديث أنطونس السائح
مثقال، فلزمه الطمع و قال: لقد [١] غير الدهر طبع هذه الحية و لا أحسب سمها إلا قد تغير، فجعل يتعاهد حجرها بالكنس و البخور ورش الماء، و عمد إلى ما كان عنده من الذهب فعمل منه حقا فجعل فيه ذلك الدرر و جعل الحق تحت رأسه، فبينما هو ذات ليلة نائم ذهبت إليه فنهشته، فجعل يستغيث بصوت عال، فأقبل عليه أهله و جيرانه يلومونه، فأخرج إليهم الحق و أراهم ما فيه، فقالوا: ما أقل غنا هذا عنك اليوم، فهلك، فقالوا: أبعده اللَّه، هو قتل نفسه.
قال: و لقد عجبت لأهل العقول يعرفون الأمر الّذي ضربنا له هذه الأمثال و لا ينتفعون بالمعرفة [٢]، ويل لهم لو قد أصابهم ما أصاب صاحب الكرم، قالوا: و كيف كان ذلك؟
قال: زعموا أنه كان رجل له كرم واسع كثير العنب، متصل الشجر، فاستأجر لكشح الكرم و قطفه ثلاثة، و وكل كل رجل بناحية، و قال: كلوا من العنب ما شئتم و كفوا عن هذه الثمار. فأخذ أحدهم على حفظ ما أمر به و قبع يأكل العنب وحده، و فعل الآخر مثل ذلك حينا ثم تاقت نفسه إلى الثمار فتناولها، و أقبل الثالث على أكل الثمار و ترك العمل ففسدت ناحيته، فقدم صاحب الكرم، فحمد الأول و أعطاه فوق أجره، و عاقب الثاني بقدر ذنبه، و بالغ في عقوبة الثالث. فهكذا أعمالكم في الآخرة يوم تجزى كل نفس ما عملت.
قال: و لقد عجبت لأهل الأمل و طمعهم في طول العمر، و وجدت أعدى الناس الأولاد، استكثر الآباء لهم و أتعبوا أنفسهم في إصلاح معايشهم بهلاك أنفسهم كصاحب السفينة، قالوا: كيف كان ذلك؟
قال: زعموا أنه كان رجل نجار يعمل بيده فيصيب كل يوم درهما، ينفق نصفه على أب له شيخ كبير و امرأة له و ابن و بنت، و يدخر لنفسه نصفه، فعمل زمانا و عاش بخير، فنظر يوما فإذا هو قد استفضل/ مائة دينار، فقال: لو عملت سفينة و اشتغلت بتجارة البحر رجوت أن أتمول، فقال له أبوه: لا تفعل، فإن رجلا من المنجمين أخبرني
[١] تكررت لفظة: «لقد».
[٢] في الأصل: «بها» و ما أوردناه من ت.