الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥ - التّفسير
و ما نستفيده من هذه الرّواية هو: إنّ التطفيف فيه وجه من الكفر.
و تتطرق الآيتين التاليتين إلى طريقة عمل المطففين، فتقول الآية الأولى:
الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ [١].
و تقول الآية الثّانية: إِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ و ذهب جمع من المفسّرين إلى أنّ الآية أرادت ب «المطفف» من يأخذ عند الشراء أكثر من حقّه، و يعطي عند البيع أقل من الحقّ الذي عليه، و ال «ويل» إنّما جاء بلحاظ هاتين الجهتين.
و لكن ما ذهب أولئك المفسّرون غير صحيح، بدلالة «يستوفون» التي تعني أخذهم بالكامل، و ليس ثمّة ما يدلّ على أخذهم أكثر من حقّهم، و يمكننا توجيه (الذم) الحاصل، باعتبار أخذهم حقّهم كاملا عند الشراء، و ينقصون من حقّ الآخرين عند البيع، كمن يريد أن يذم شخصا بقوله: ما أغربك من رجل، تراك تأتي في الموعد المقرر عند ما تكون دائنا، و تتهرب من أداء ما عليك عند ما تكون مدينا.
فأخذ الحقّ في موعده المقرر ليس عملا سيّئا، و لكن حصول الحالتين (أعلاه) في شخص واحد هو الشيء.
و قد جاء ذكر «الكيل» في الآيتين عند حالة الشراء، و ذكر «الكيل» و «الوزن» عند حالة البيع، و ربّما يرجع ذلك لأحد سببين:
الأوّل: كان تجار تلك الأزمان الكبار يستعملون (المكيال) عند شرائهم للكميات الكبيرة من المواد، لأنّه لم يكن عندهم ميزان كبير يستوعب تلك المواد الكثيرة.
(و قيل: إنّ (الكر)، كان في الأصل اسما لمكيال كبير ... و الكر: مصطلح
[١]- «على النّاس»: اشارة إلى ما لهم لدى النّاس، و التقدير: (إذا كالوا ما على النّاس) و ذلك عند الأخذ منهم، و هو ما نستفيده من (كال عليه) .. أمّا (كاله) أو (كال له) فهو عند العطاء.