الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٩ - سنّة التغيّر!
إلى الذهن بوضع الجبين على الأرض، فهو أحد مصاديق مفهوم السجود، و لعل هذا هو ما ورد في الرّوايات من سجود النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عند قراءته لهذه الآية.
و السجود في هذه الآية مستحب عند فتاوى فقهاء أهل البيت عليهم السّلام، فيما يوجب ذلك فقهاء المذاهب الأربع، إلّا (مالك)، فإنّه يقول بالسجود عند الانتهاء من تلاوة السّورة [١].
و تأتي الآية التالية لتقول: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ.
و التعبير عن ممارسة تكذيب الكافرين في الآية بصيغة المضارع المستمر، للإشارة إلى تكذيبهم المتعنت المستمر و إصرارهم و لجاجتهم و ليس تكذيبهم بسبب ضعف أدلة الحق، بل من أجل روح التعصب الأعمى للأسلاف و الدنيا و المصالح المادية و الحاكمة على قلوبهم المريضة، و أهوائهم الشيطانية.
و ببيان جدّي و تهديد جدّي، تقول الآية التالية: وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ.
فاللّه تعالى أعلم بدافع و نيّة و هدف ذلك التكذيب، و مهما تستروا على ما فعلوا فلا يجزون إلّا بما كسبت أيديهم.
«يوعون»: من (الوعاء) و هو الظرف، كما هو مستقى من
قول أمير المؤمنين عليه السّلام في نهج البلاغة: «إنّ هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها».
ثمّ ... فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ.
عادة ما تستعمل «البشارة» للأخبار السارة، و جاءت هنا لتنم عن نوع من الطعن و التوبيخ.
و الحال، إنّ البشارة الحقّة للمؤمنين خالصة بما ينتظرهم من نعيم، و ما للكاذبين إلّا الغرق في بحر من الحسرة و الندم، و ما هم إلّا في عذاب جهنم
بالمستحب- و حينما تقول الآية: وَ إِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ فقد أطلقت القول، و الإطلاق و الحال هذه يراد به التسليم للقرآن.
[١] روح البيان، ج ١، ص ١٣٨٢.