الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨ - صدأ الذنوب
القادمة.
و يستمر البيان القرآني: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ.
و هو أشدّ ما سيعاقبون به، مثلما منزلة اللقاء باللّه و درجة القرب منه هي من أعظم نعم الأبرار و الصالحين و أكثرها لذة و استئناسا.
«كلّا»: عادة ما تستعمل لنفي ما قيل سابقا، و للمفسرين أقوال في تفسيرها:
القول الأوّل: إنّها تأكيد ل «كلّا» المتقدمة في الآية السابقة، أي: يوم القيامة ليس بأسطورة كما يزعمون.
و القول الثّاني: «كلّا» بمعنى لا يمكن إزالة الرين الذي فقأ البصيرة في قلوبهم، فهم محرومون من رؤية جمال الحقّ في هذا العالم و في عالم الآخرة أيضا.
القول الثّالث: إنّ الآية تجيب زعم أولئك من أنّ القيامة (حتى على فرض وجودها!) فهم سينعمون بها كما (يتصورون) بأنّهم منعمين في الدنيا، (و قد تناولت الآيات الأخرى ما جاء في زعمهم) [١].
و لكنّ أحلامهم ستتلاشى أمام حقيقة وقوع القيامة، و ما سينالونه من شديد العذاب.
نعم، فأعمال الإنسان في دنياه ستتجسم له في آخرته شاء أم أبى، و لما كان أولئك قد أغلقوا عيونهم عن رؤية الحق، و رانت أعمالهم على قلوبهم، فسيحجبون عن ربّهم في ذلك اليوم العظيم، و عندها فسوف لن يتمتعوا برؤية جمال الحق أبدا، و سيحرمون من نعمة اللقاء بالحبيب الحقيقي، الذي لا حبيب سواه.
و: ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ.
فدخولهم جهنم نتيجة طبيعية لاحتجابهم عن اللّه تعالى و أثر لازم له، و ممّا لا شك فيه إنّ لهيب الحرمان من لقاء اللّه أشدّ إيلاما و إحراقا من نار جهنم!
[١]- كما في الآية (٣٢) من سورة الكهف: وَ ما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَ لَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً، كما و جاء نظير ذلك في الآية (٥٠) من سورة فصلت.