تسلية المُجالس وزينة المَجالس - الكركي الحائري، السيد محمد - الصفحة ٧١ - الندبة
و يخفي شخصه عن صحبه و أهله، و يبتغي نفقا في الأرض أو سلّما في السماء، و ينحجر في الزوايا خشية الرقباء، يرى حتفه بعينيه، و يسمع لعنه باذنيه، و كيف لا يخشى بادرتهم، و يحذر فاقرتهم، و هو يرى صنيعهم لسيّدهم و وليّهم، و خذلهم هاديهم و خليفة نبيّهم، و أذاهم له بقولهم و فعلهم، و إجلابهم عليه بخيلهم و رجلهم، و حربهم له في صفّينهم و جملهم، و قتلهم له في قبلة مسجده، و فتكهم به في حال تهجّده، و تصييرهم ولديه سبطي نبيّ الرحمة، و فرعي شفيع الامّة، و سيّدي شباب أهل الجنّة، و من جعل اللّه وجودهما في الخلق أعظم منّة، ما بين مسموم و مقتول، و مهضوم و مخذول؟
فأبعدها اللّه من أمّة خبل سعيها، و دام غيّها، و طال شقاها، و خاب رجاها، تقتل ذرّيّة نبيّها بين ظهرانيها، و تسبي بنات رسولها و هي تنظر إليها، ليس فيها رشيد يردعها، و لا سديد يدفعها، فما أبعدها من رحمة اللّه و أشقاها، و أحقّها بخزي اللّه و أولاها؟ قد أوثقها اللّه بذنوبها، و ختم على قلوبها و غرّها سرابها، و تقطّعت أسبابها، فارتدّت على أعقابها، و ضلّت في ذهابها و إيابها، قد طوّقها اللّه طوق لعنته، و حرّم عليها نعيم جنّته، فالمؤمن فيها حامل حتفه على كتفه، و ناظر هلكه بطرفه، يسلقونه بحداد ألسنتهم، و يعنّفونه بفضيع مقالتهم، فهو بينهم كالشاة بين الذئاب، أو الغريب تحتوشه الكلاب، و علماؤهم يتجسّسون على عورات المؤمنين، و يبتغون زلّات الصالحين، و يحرّمون ما أحلّ اللّه بأهوائهم، و يحلّون ما حرّم اللّه بآرائهم، و يسفّهون أحلام من التزم بحبل أهل بيت نبيّه، و يستهزءون بمن استمسك بولاء عترة وليّه، و هم مع ذلك يتولّى بعضهم بعضا، و يعظّم بعضهم بعضا، و ما ذاك إلّا لاختصاص قول المؤمنين بآل محمد صلّى اللّه عليه و آله فلعداوتهم لهم رموهم عن قوس واحدة.