تسلية المُجالس وزينة المَجالس - الكركي الحائري، السيد محمد - الصفحة ٤٧١ - أبيات لفاطمة بنت الحسين بن علي عليه السلام
فلمّا كان من الغد أصبحنا فرأينا العوسجة قد عظمت، حتّى كانت كأعظم ما يكون، و أبهى، و خضد اللّه شوكها، و ساخت عروقها، و كثرت أغصانها، و اخضرّ ساقها و ورقها، و أثمرت بعد ذلك و أينعت بثمر كأعظم ما يكون من الكمأة في لون الورس المسحوق، و رائحته كرائحة العنبر في طعم الشهد، و اللّه ما أكل منه جائع إلّا شبع، و لا ظمآن إلّا روى، و لا سقيم إلّا برىء، و لا ذو حاجة و لا فاقة إلّا استغنى، و لا أكل من ورقها بعير و لا ناقة و لا شاة إلّا سمنت و درّ لبنها، و رأينا النماء و البركة في أموالنا منذ يوم نزل صلّى اللّه عليه و آله بنا، و أخصبت بلادنا و أمرعت و كنّا نسمّيها المباركة، و كان ينتابها من حولنا من أهل البوادي يستظلّون بها، و يتزوّدون من ورقها في الأسفار، و يحملونه معهم في الأرض القفر، فيقوم لهم مقام الطعام و الشراب.
فلم تزل كذلك حتّى أصبحنا ذات يوم و قد تساقطت ثمارها، و اصفرّ ورقها، فأحزننا ذلك و أفزعنا، فما كان إلّا قليل حتّى جاء نعي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله انّه قد قبض، و كانت بعد ذلك تثمر ثمرا دون الأوّل في العظم و الطعم و الرائحة، و أتت على ذلك ثلاثون سنة.
فلمّا كان ذات يوم أصبحنا و إذا بها قد شاكت من أوّلها إلى آخرها، و ذهبت نضارة عيدانها، و تساقط جميع ثمرها، فما كان إلّا يسيرا حتّى أتى الخبر بقتل أمير المؤمنين عليه السلام، فما أثمرت بعد ذلك قليلا و لا كثيرا، و انقطع ثمرها، و لم نزل و من حولنا نأخذ من ورقها، و نداوي [به][١] مرضانا، و نستشفي به من أسقامنا، فأقامت على ذلك برهة طويلة.
[١] من المقتل.