تسلية المُجالس وزينة المَجالس - الكركي الحائري، السيد محمد - الصفحة ١٢٦ - الخطبة
فركبوا الصعب و الذلول في قتالهم، و خالفوا نصّ الرسول بكفرهم و ضلالهم، و قصدوهم في أنفسهم و أموالهم، و حاربوهم بخيلهم و رجالهم، فاستشعروا لباس الصبر الجميل طلبا للثواب الجزيل، و باعوا النزر القليل بالباقي الجليل، و جاهدوا الفجرة بجدّهم و جهدهم، و حاربوا الكفرة بذاتهم و ولدهم، و تبرّموا بالحياة في دولة الظالمين، و استطابوا الممات لغلبة الضالّين، و امتثلوا أمر اللّه بعزائم أبيّة، و انوف حميّة، و اصول نبويّة، و فروع علويّة، و أرواح روحانيّة، و أنفس قدسيّة، و قلوب على تقوى اللّه جبلت، و بالحقّ قضت و عدلت.
عرجت أرواحها إلى المحلّ الأسنى، و رقت نفوسها إلى الملكوت الأعلى، فشاهدت بأبصار بصائرها منازل الشهداء في جنّة المأوى، و لاحظت بأفكار ضمائرها ما اعدّ للمجاهدين في سبيله في دار الجزاء، فآثرت الآخرة على الاولى، و ما يبقى على ما يفنى.
فيا من يخطّئ صوابهم، و يستحبّ عتابهم، و يستعذب ملامهم، و يسفّه أحلامهم، و يتلو بنيّة فاسدة مشتركة: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ[١]، جهلا منه بمواقع التنزيل، و غيّا عن مواضع التأويل، تبّت يدك، و فلّ جدّك، لقد نافقت بإسلامك، و أخطأت عن مرامك، و عشى عن ضوء شمس الحقّ إنسان عينك، و استولى الشكّ على مشوب يقينك، أتعلم من أنزل في بيوتهم، و ورد الذكر في صفاتهم و نعوتهم، و فخر جبريل يوم العبا بصحبتهم، و انزلت سورة «هل أتى» في مدحتهم؟
يا ويلك أ تورد حجّتك، و تورّك شبهتك، على قوم الدنيا في أعينهم أقلّ من كلّ قليل، و عزيزها لديهم أذلّ من كلّ ذليل؟ علمهم لدنيّ، و كشفهم
[١] سورة البقرة: ١٩٥.