تسلية المُجالس وزينة المَجالس - الكركي الحائري، السيد محمد - الصفحة ٥٥ - خطبة للحسن عليه السلام بأمر معاوية
النفاق، و بذلوا النصيحة و طبعهم الشقاق.
و كان عليه السلام عالما بذلك من لئيم طبعهم، متحقّقا لغدرهم و خذلهم، متيقّنا ممالاتهم عدوّه عليه، عالما بإنفاذ رسائلهم إليه، قد مال بهم الهوى، و أغواهم حبّ الدنيا، فباعوا الآخرة الباقية، بلذّتها الزائلة الفانية.
هل أغوى ابن حرب بحربه و استحثّه على طلبه إلّا حبّ زينتها، و الافتتان بزهرتها، و طلب متاعها، و التلذّذ باستماعها، و الميل مع بنيّها، إيثارا من حطامها، و يتمتّع بزائل أيّامها، و كانت جماعة أكابرهم و رؤسائهم و أعيانهم و زعمائهم في كلّ حين لهم عيون و رسل و مكاتبات إلى اللعين بن اللعين، فعليه و عليهم لعنة اللّه و لعنة اللاعنين، و إنّما سار بهم عليه السلام إلى خصمه مع شدّة يقينه بغدرهم، و علمه[١] بقبيح نكثهم و مكرهم، قياما للحجّة عليهم، و توجيها لقطع المعذرة منهم، لئلّا يقولوا يوم القيامة: إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ[٢] أو يقولوا: لو سرت بنا إلى عدوّك لوجدتنا لك من الناصحين، فأقام عليهم الحجّة بمسيره، و أظهر خفيّ نفاقهم بتدبيره، و كان ذلك فرض اللّه عليه، و ما فوّض من الرئاسة العامّة إليه، مع علمه بخذلهم لأبيه و غدرهم به، فأذعن للهدنة، و أطفأ بصلحه الفتنة، و درك عليهم الحجّة فباءوا بغضب من اللّه بشملهم، و خزي في الدارين ببغيهم، و سيجازى كلّ بفعله، و لا يحيق المكر السيّئ إلّا بأهله، كلّ ذلك و هو عليه السلام كما وصف اللّه إباءه في محكم ذكره، و نوّه فيه بمدحه و شكره، فقال سبحانه في كتابه المبين و ذكره الحكيم: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ
[١] كذا الصحيح، و في الأصل: علمهم.