تسلية المُجالس وزينة المَجالس - الكركي الحائري، السيد محمد - الصفحة ٤٩٠ - كلام للمؤلّف رحمه اللّه
نسجها بقضبان الذهب و دفق، يشرح صدور المؤمن الموافق، و يسخن عين الرجس المنافق.
يتجدّد فخرهم بتجدّد الأيّام، و يتعالى ذكرهم بتعدّد الأعوام، و ما هذه إلّا كرامة ظاهرة، و فضيلة باهرة، يستدلّ بها انّ الجليل سبحانه لحظهم بعين عنايته، و اختصّهم بعظيم كرامته، و جعلهم أشرف كلّ موجود سواه، و أكمل كلّ مخلوق خلقه و سوّاه، و شحن كتابه بمدحهم، و شرّف تنزيله بوصفهم.
تهوى إليهم القلوب من جزائر منقطعة، و ترتاح إليهم النفوس من أقطار شسعة، و زيّن سبحانه اللغات على اختلاف ألسنتهم بمدائحهم و مراتبهم، و حبّب إلى الأنام ذكر مناقبهم و مساعيهم، حتّى زيّنت الشعراء مدائحها بذكرهم، و أعملت البلغاء قرائحها في شكرهم، فكلّ شعر لا يحلّى بجواهر فضائلهم فهو يهرج، و كلّ نثر لا يسمط بوصف مناقبهم فهو يسمج، تفخر فصحاء العرب بترصيع سجعها بتلألؤ وصفهم، و تشمخ شعراء العجم بتجنيس رديفها بتعداد كرمهم و لطفهم، أجهدت الأعداء جهدها في محو صورهم من جرائد الأحياء، و أجلبت الأشقياء بخيلها و رجلها على إخفاء أوجههم عن وجه الدنيا، حتّى قتلوا رجالهم، و ذبحوا أطفالهم، و انتهبوا أثقالهم، و تتبّعوا حيّهم، و استصفوا فيئهم، و لم يتركوا لهم وليّا إلّا أرهقوه، و لا ناصرا إلّا اغتالوه، و لا رحما إلّا قطعوها، و لا وصيّة إلّا ضيّعوها.
حتّى إذا ظنّوا أنّ الدنيا قد أصفتهم لذّتها، و منحتهم درّتها، و سلّمت إليهم مقاليد سلطانها، و فتحت عليهم كنوز ذهبانها، و أوطأت أقدامهم أعناق ملوكها، و أجرت أحكامهم على غنيّها و صعلوكها[١]، و عمّت فتنتهم، و تمّت مدّتهم،
[١] الصعلوك: الفقير.