تسلية المُجالس وزينة المَجالس - الكركي الحائري، السيد محمد - الصفحة ٢١٨ - الخطبة
حبّه، و نفوا عن عقر دارهم، و اخرجوا من منازلهم و قرارهم.
ضاقت بهم الأرض بعد رحبها، و قصدتهم الأعداء بفتكها و حربها، و كانت واقعة السبط الشهيد أبي عبد اللّه أفضع محنة، و أشنع فتنة، لم يحدث منذ وجود العالم مثلها، و لم يقع في الزمن المتقادم عديلها، اخرج ابن الرسول من حرم جدّه خائفا، و للحياة في دولة الظالمين عائفا، و للدنيا و أهلها قاليا، و للشهادة في اللّه راجيا، قد تبرّم بالبقاء في دولة الأشرار، و سئم الحياة في سلطان الفجّار.
فنصبوا له المهالك، و سدّوا عليه المسالك، لم يأمن في حرم يأمن فيه الطير الطائر، و الوحش الجائر، و لم يطمئنّ في بلد يسكنه البرّ و الفاجر، فوعده النصر على أعدائه قوم ذووا أحلام عازبة، و أيمان كاذبة، لم يثلج في قلوبهم برد الايمان، و لم يزالوا بنكثهم أحزاب الشيطان، حتى إذا لزمته الحجّة بوجود الناصر، و القيام بجهاد الظالمين في الظاهر، و أمّ مصرهم ببنيه و بناته، و سار نحوهم بإخوانه و أخواته، و بلغ ضعفهم، و توسّط جمعهم، خانوا عهده، و أخلفوا وعده، فليتهم إذ نكثوا أيمانهم، و نقضوا أمانهم، تركوه يذهب حيث شاء، أو يرجع من حيث أتى، بل سدّوا عليه الموارد، و قعدوا له المراصد، و جنّدوا لمنعه جموعهم و جنودهم، و أرهفوا لقتله حدّهم و حديدهم، و حرموا عليه ورد الماء المباح، و رفعوا عليه حدود الصفاح، فصار في أيديهم رهينا، و بسيوفهم ضمينا، ثمّ ساقوا بناته و حلائله اسارى، تحسبهم من هول ما أصابهم سكارى و ما هم بسكارى، يسار بهم بين الأعداء على الأقتاب، و يساقون عنفا بغير نقاب و لا جلباب، قد قشر حرّ الشمس وجوههم، و غيّر هجير القيض جسومهم.
فوا أسفا على تلك الأبدان المصرّعة، و الأجساد المبضّعة، و الأطراف المقطّعة، و الرءوس المرفعة.