وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٣٠ - عبد اللّٰه بن زيد و الوضوء
و أنت ترى أنّ مواقف هؤلاء الأعاظم من الأنصار كان المسح لا الغسل، و هو يوضح لنا سر انتساب الغسل إلى عبد اللّٰه بن زيد بن عاصم المغمور دون غيره.
و العجب أنّهم يعدّونه صاحب حديث الوضوء مع أنّه كان له من العمر. حين وفاة النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) ١٧ عاما فقط، و لم يعطوا هذا اللقب لغيره من كبار الصحابة و قديمي الصحبة و أقرباء النبي و خاصته.
في حين نعلم أنّ الصلاة افترضت قبل الاسراء [١]، و قد افترضت الصلاة على النبي بعد نزول الوحي، و حين افترضت على رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) أتاه جبرئيل و هو بأعلى مكة، فهمز بعقبة في ناحية الوادي، فانفجرت منه عين، فتوضأ جبرئيل و رسول اللّٰه ينظر إليه، ليريه كيف الطهور للصلاة، ثم توضأ رسول اللّٰه كما رأى جبرئيل توضأ [٢].
و في هذا الصدد قال محقق سيرة ابن هشام: فالوضوء على هذا الحديث مكي بالفرض مدني بالتلاوة، لأنّ آية الوضوء مدنية [٣].
فلو صح هذا فلما ذا يختص عبد اللّٰه بن زيد بهذا اللقب دون غيره من الصحابة؟
و ما يعنى هذا؟ نعم نحن لو تابعنا السير التاريخي للوضوء لعرفنا بصمات الفقه القرشي عليه.
إن التثليث في غسل الأعضاء و غسل الأرجل كان المدار الأوّل للاختلاف بين المسلمين في عهد عثمان بن عفان، ثم تطوّر حتى رأينا ابن عمر يغسل رجليه سبع مرات و كان يعتبر الوضوء هو الإنقاء، و أنّ أبا هريرة كان يطيل غرته بغسل ساقيه، حتى وصل الأمر بمعاوية أن يتوضأ للناس، فلما بلغ رأسه غرف غرفة من ماء فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه حتى قطر الماء أو كاد يقطر، ثم مسح من مقدمه إلى مؤخره و من مؤخرة إلى مقدمه [٤].
و الباحث لو تأمّل في الوضوءات البيانيّة عن رسول اللّٰه لم يشاهد زيادة (مسح الرأس مقبلا و مدبرا) عن أحد من الصحابة إلّا عن عبد اللّٰه بن زيد بن عاصم و الربيع
[١] انظر هامش سيرة ابن هشام ١: ٢٦٠ عن السهيلي.
[٢] سيرة ابن هشام ١: ٢٦٠.
[٣] انظر هامش سيرة ابن هشام ١: ٢٦٠.
[٤] سنن أبي داود ١: ١٢٤/ ٣١.