دروس في علم الأصول(شرح الحلقة الثالثة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤٩ - الاستصحاب أصل أو أمارة؟
و أمّا الاستصحاب فليس احتمال بقاء الحالة السابقة فيه كاشفا عن الواقع و لا يحكي عنه اصلا، و إن كان فيها نحو من الكاشفية، لكن هذه الكاشفية قد تكون ضعيفة في بعض الاحيان و رغم ذلك يجري الاستصحاب شرعا بلا شك، اذن الاستصحاب لا يدّعي الحكاية عن الواقع دائما كخبر الثقة و اليد و سوق المسلمين و قاعدة الصحة و غيرها و هذا أمر واضح، و ايضا لا نفهم الاماريّة من كلمة اليقين الواردة في السنة الروايات و ذلك لما ذكرناه في تعليقتنا على الوجه الثالث من اوجه الركن الاوّل من اركان الاستصحاب من ان المراد من اليقين الوارد في أدلة الاستصحاب و غيره هو اليقين الطريقي و المرآتي و الكاشف عن متعلّقه، و الذي يعني ثبوت الحالة السابقة، [فلا يصحّ تعلّق السيد الخوئي [(قدس سره)] بلفظه اليقين لاثبات اماريّة الاستصحاب] اضافة إلى انّ بقاء الحالة السابقة ليس دائما مظنونا، بل حتّى و لو فرضناه مظنونا دائما فانّه لم يعلم ان الشارع المقدّس عند ما تعبّدنا ببقاء الحالة السابقة انما تعبّدنا به بما انّه حاك و كاشف عن الواقع كخبر الثقة مثلا ... فلا يبقى عندنا دليل على امارية الاستصحاب.
إذن ما هي حقيقة الاستصحاب؟ فنقول: في الحقيقة الاستصحاب هو اصل عقلائي المنشأ ارشدنا إليه المشرّع الحكيم لا بقائنا على هذا الارتكاز الفطري، أ لا ترى القضاة في الشرائع و القوانين الوضعيّة يحكمون. من حيث عقلائية تشريعاتهم. بالملكية بناء على سند ملكية قديم التاريخ و لا يرفعون اليد عن ذلك حتّى يثبت لديهم الخروج عن ملكيته بدليل اقوى كاخبار صادقين، أ لا تراهم يحكمون الدّين على المستدين حتى يثبت لديهم دفعه، و يحكمون ببقاء الزوجية الى أن يثبت الرافع و يرتّبون على ذلك الارث، و يقرضون بعضهم بعضا ... و قد يكون هذا الاقراض و نحوه ناشئا احيانا من الغفلة عن احتمال عروض الموت او غير ذلك للمستدين، و هذا ما يؤكد شدّة هذا الارتكاز العقلائي و لذلك انتشرت هذه الاعمال و الاحكام عند جميع العقلاء.
لكن هناك حالات لا يصحّ ان يجري فيها الاستصحاب للزوم ثبوت الحالة السابقة وجدانا كما فيما لو اراد تاجر ان يبعث اموالا الى تاجر آخر احتمل موته لبعض قرائن،