دروس في علم الأصول(شرح الحلقة الثالثة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٥١ - الاستصحاب أصل أو أمارة؟
الفطري المحض فقال ( (فان الشك لا ينقض اليقين)) و في رواية اخرى ( (فان اليقين لا يدفع بالشك))، و كذلك الامر في صحيحة عبد الله بن سنان التي يسأل فيها ابوه الامام الصادق ٧ عن ثوب اعاره لذمّي و هو يعلم انّه يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير فيردّه عليه هل يجب عليه ان يغسله قبل ان يصلّي فيه؟ فقال ابو عبد الله ٧: ( (صلّ فيه و لا تغسله من أجل ذلك)) ثم يعلّل الامام ٧ ذلك بالطريقة السابقة، قال: ( (فانك اعرته إيّاه و هو طاهر و لم تستيقن انّه نجّسه))، و هو ايضا صريح في المطلوب.
هذا، و لكن هذا لا يعني انّ الاستصحاب صار يثبت لوازمه العقلية على ما سيأتيك في بحث ( (مقدار ما يثبت الاستصحاب)) من انّ العقلاء يلاحظون الفرق بوضوح بين الامارات التي تحكي عن الواقع كخبر الثقة و بين قاعدة الاستصحاب الناظرة إلى اثبات آثارها الشرعية و ليست ناظرة بوجه الى اثبات الآثار الشرعيّة المترتبة على الوسائط العقلية او العادية، و ذلك لأنّ ترتيب تلك اللوازم العقلية أو العاديّة ليس أمرا فطريّا، مثال ذلك: من المعلوم وجوب الكفّارة على المحرم إذا قتل صيدا، فلو رمى محرم سهما نحو طائر مثلا ثم شك في بقائه في مكانه، بحيث لو استصحبنا بقاءه في مكانه لقتله فهل ترى من نفسك الحكم على هذا المحرم بوجوب دفع الكفّارة بعنوان أنّه قتل طيرا؟! و ببيان آخر: الاستصحاب هنا انما اثبت ( (عدم طيران هذا الطائر))، و لازم ذلك ( (اصابته)) و لازم اصابته ( (قتله))، و الكفّارة انما تترتب على عنوان ( (القتل)) لا على ( (عدم طيرانه))، و لذلك لا نظن ان احدا من العقلاء يوجب في هذه الحالة على الرامي دفع الكفارة.
و بكلمة اخرى: ان الاستصحاب و ان كان يوافق الطبع العقلائي كما ورد في الروايات إلّا أنّه ليس امارة لا في نظر الشارع و لا في نظر العقلاء، اما بالنسبة إلى نظر الشارع المقدّس فلم يعلم- بل نستبعد- ان ملاك تشريع الاستصحاب هو اماريته و كشفه عن الواقع و حكايته عنه و اقوائية احتمال اصابته كما كان الحال في سائر الامارات كخبر الثقة مثلا.
و أمّا بالنسبة إلى نظر العقلاء، فانّ الاستصحاب و ان كان يوافق طبعهم- و هو البناء على الحالة السابقة حتّى يعلموا برفعها- إلّا أنّه ليس عندهم من قبيل خبر الثقة، و مجرّد