مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٢٧٦ - الأئمة الصادق (عليه السّلام)
تسعة أسهم، بعضا في جوف بعض، و هشام يضطرب في مجلسه، فلم يتمالك إلى أن قال: أجدت [١] يا أبا جعفر! و أنت أرمى العرب و العجم، هلّا [٢] زعمت أنّك كبرت عن الرمي؟ ثمّ أدركته ندامة على ما قال، و كان هشام لم يكنّ [٣] أحدا قبل أبي و لا بعده في خلافته، فهمّ به.
و أطرق إلى الأرض إطراقة يتروّى فيه، و أنا و أبي واقف حذاءه، مواجهين [٤] له؛
فلمّا طال وقوفنا، غضب أبي، فهمّ به و كان أبي عليه و على آبائه السّلام إذا غضب نظر إلى السماء نظر غضبان، يتبيّن [٥] الناظر الغضب في وجهه؛
فلمّا نظر هشام إلى ذلك من أبي قال [له]: إليّ يا محمّد، فصعد أبي إلى السرير و أنا أتبعه، فلمّا دنا من هشام، قام إليه و اعتنقه، و أقعده عن يمينه.
ثمّ اعتنقني، و أقعدني عن يمين أبي، ثمّ أقبل على أبي بوجهه، فقال له:
يا محمّد! لا تزال العرب و العجم يسودها قريش ما دام فيهم مثلك، للّه درّك! من علّمك هذا الرمي؟ و في كم تعلّمته؟ فقال أبي:
قد علمت أنّ أهل المدينة يتعاطونه، فتعاطيته أيّام حداثتي، ثمّ تركته، فلمّا أراد أمير المؤمنين منّي ذلك، عدت فيه. فقال له: ما رأيت مثل هذا الرمي قطّ مذ عقلت و ما ظننت أنّ في الأرض أحدا يرمي مثل هذا الرمي، أ يرمي جعفر مثل رميك؟
فقال: إنّا [نحن] نتوارث الكمال و التمام اللذين أنزلهما اللّه على نبيّه (صلى اللّه عليه و آله) في قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [٦] و الأرض لا تخلو ممّن يكمّل هذه الامور التي يقصر غيرنا عنها.
قال: فلمّا سمع ذلك من أبي، انقلبت عينه اليمنى، فاحولّت، و احمرّ وجهه و كان ذلك علامة غضبه إذا غضب، ثمّ أطرق هنيئة، ثمّ رفع رأسه، فقال لأبي:
[١]- «أجدك» ع.
[٢]- «كلّا» م. تصحيف ظ.
[٣]- أي يخاطبه بكنيته. و في ب «لم يكن كنّى».
[٤]- «مواجه» م.
[٥]- «يرى» ع، ب.
[٦]- المائدة: ٣.