مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٢٨٥ - الأئمة الصادق (عليه السّلام)
فخرج أبي متوجّها من الشام نحو الحجاز، و أبرد هشام بريدا، و كتب معه إلى جميع عمّاله ما بين دمشق إلى يثرب يأمرهم أن لا يأذنوا لأبي في شيء من مدينتهم و لا يبايعوه في أسواقهم، و لا يأذنوا له في مخالطة أهل الشام حتى ينفذ إلى الحجاز.
فلمّا انتهى إلى مدينة «مدين» و معه حشمه، و أتاه بعضهم فأخبره أنّ زادهم قد نفد، و أنّهم قد منعوا من السوق، و أنّ باب المدينة اغلق.
فقال أبي: فعلوها! ائتوني بوضوء. فاتي بماء، فتوضّأ، ثمّ توكّأ على غلام له؛
ثمّ صعد الجبل، حتّى إذا صار في ثنيّة [١] استقبل القبلة، فصلّى ركعتين؛ ثمّ قام و أشرف على المدينة، ثمّ نادى بأعلى صوته، و قال:
وَ إِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَ لا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَ الْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ* وَ يا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَ الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ* بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [٢]. ثمّ وضع يده على صدره؛
ثمّ نادى بأعلى صوته: أنا- و اللّه- بقيّة اللّه [أنا- و اللّه- بقيّة اللّه].
قال: و كان في أهل مدين شيخ كبير قد بلغ السنّ، و أدّبته التجارب، و قد قرأ الكتب، و عرفه أهل مدين بالصلاح، فلمّا سمع النداء، قال لأهله: أخرجوني.
فحمل و وضع وسط المدينة، فاجتمع الناس إليه، فقال لهم: ما هذا الذي سمعته من فوق الجبل؟ قالوا: هذا رجل يطلب السوق، فمنعه السلطان من ذلك و حال بينه و بين منافعه. فقال لهم الشيخ: تطيعونني؟ قالوا: اللّهمّ نعم.
قال: قوم صالح إنّما ولي عقر الناقة منهم رجل واحد، و عذّبوا جميعا على الرضا بفعله، و هذا رجل قد قام مقام شعيب (عليه السّلام)، و نادى مثل نداء شعيب (عليه السّلام) [٣] فارفضوا السلطان و أطيعوني، و اخرجوا إليه بالسوق، فاقضوا حاجته، و إلّا لم آمن- و اللّه- عليكم الهلكة.
[١]- الثنية: الطريق في الجبل.
[٢]- هود: ٨٤- ٨٦.
[٣]- أضاف في م «و هذا رجل ما بعده».