مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٢٨٢ - الأئمة الصادق (عليه السّلام)
صرفتهما إلى المدينة مالا إلى القسّيسين و الرهبان من كفّار النصارى، و أظهرا لهما دينهما، و مرقا [١] من الإسلام إلى الكفر دين النصارى، و تقرّبا إليهم بالنصرانية فكرهت أن أنكل بهما لقرابتهما، فإذا قرأت كتابي هذا، فنادى في الناس برئت الذمّة ممّن يشاريهما، أو يبايعهما، أو يصافحهما، أو يسلم عليهما، فإنّهما قد ارتدّا عن الإسلام، و رأى أمير المؤمنين أن تقتلهما و دوابّهما و غلمانهما و من معهما شرّ قتلة.
[قال:] فورد البريد إلى مدينة «مدين» فلمّا شارفنا مدينة «مدين» قدّم أبي غلمانه ليرتادوا [٢] لنا منزلا، و يشتروا لدوابّنا علفا، و لنا طعاما، فلمّا قرب غلماننا من باب المدينة، أغلقوا الباب في وجوهنا و شتمونا، و ذكروا [أمير المؤمنين] عليّ بن أبي طالب (صلوات الله عليه) فقالوا: لا نزول لكم عندنا، و لا شراء، و لا بيع، يا كفّار، يا مشركين يا مرتدّين، يا كذّابين، يا شرّ الخلائق أجمعين!
فوقف غلماننا على الباب حتّى انتهينا إليهم، فكلّمهم أبي و ليّن لهم القول و قال لهم: اتّقوا اللّه و لا تغلطوا، فلسنا كما بلغكم، و لا نحن كما يقولون [٣] فاسمعونا.
و قال لهم: فهبنا كما يقولون، افتحوا لنا الباب، و شارونا و بايعونا، كما تشارون و تبايعون اليهود و النصارى و المجوس. فقالوا: أنتم شرّ من اليهود و النصارى و المجوس! لأنّ هؤلاء يؤدّون الجزية و أنتم ما تؤدّون.
فقال لهم أبي: فافتحوا لنا الباب و أنزلونا و خذوا منّا الجزية كما تأخذون منهم.
فقالوا: لا نفتح، و لا كرامة لكم حتى تموتوا على ظهور دوابّكم جياعا نياعا [٤] أو تموت دوابّكم تحتكم. فوعظهم أبي: فازدادوا عتوّا و نشوزا [٥].
قال: فثنى أبي رجله عن سرجه، ثمّ قال لي: مكانك يا جعفر لا تبرح. ثمّ صعد الجبل المطلّ على مدينة «مدين» و أهل مدين ينظرون إليه ما يصنع، فلمّا صار في
[١]- مرق من الدين: خرج.
[٢]- ارتاد الشيء: طلبه.
[٣]- «تقولون» م.
[٤]- «و في الصحاح [٣/ ١٢٩٤]: النوع- بالضم-: إتباع للجوع، و النائع: إتباع للجائع. يقال:
رجل جائع نائع. و إذا دعوا عليه قالوا: جوعا نوعا؛ و قوم جياع نياع، و زعم بعضهم أنّ النوع:
العطش، و النائع: العطشان» منه ره.
[٥]- أي غلظة.