مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ١٩٤ - الأخبار الأئمّة الباقر (عليه السّلام)
فأمّا ما ذكرت من السابقين فهم أنبياء مرسلون و غير مرسلين، جعل اللّه فيهم خمسة أرواح: روح القدس و روح الإيمان، و روح القوّة، و روح الشّهوة، و روح البدن و بيّن ذلك في كتابه حيث قال: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [١].
ثمّ قال في جميعهم وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [٢]. فبروح القدس بعثوا أنبياء مرسلين و غير مرسلين، و بروح القدس علموا جميع الأشياء، و بروح الإيمان عبدوا اللّه و لم يشركوا به شيئا، و بروح القوّة جاهدوا عدوّهم و عالجوا معايشهم، و بروح الشهوة أصابوا لذّة الطعام و نكحوا الحلال من النساء، و بروح البدن يدبّ و يدرج.
و أمّا ما ذكرت من «أصحاب الميمنة» فهم المؤمنون حقّا، جعل فيهم أربعة أرواح: روح الإيمان، و روح القوّة، و روح الشهوة، و روح البدن، و لا يزال العبد مستعملا بهذه الأرواح الأربعة حتّى يهمّ بالخطيئة، فإذا همّ بالخطيئة زيّن له روح الشهوة، و شجّعه روح القوّة، و قاده روح البدن حتّى يوقعه في تلك الخطيئة، فإذا لامس الخطيئة انتقص من الإيمان و انتقص الإيمان منه، فإن تاب تاب اللّه عليه؛
و قد يأتي على العبد تارات ينقص منه بعض هذه الأربعة، و ذلك قول اللّه تعالى: وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً [٣].
فتنتقص روح القوّة، و لا يستطيع مجاهدة العدوّ، و لا معالجة المعيشة و تنتقص منه روح الشهوة، فلو مرّت به أحسن بنات آدم لم يحنّ إليها، و تبقى فيه روح الإيمان و روح البدن، فبروح الإيمان يعبد اللّه، و بروح البدن يدبّ و يدرج حتّى يأتيه ملك الموت.
و أمّا ما ذكرت «أصحاب المشئمة» فمنهم أهل الكتاب، قال اللّه تبارك و تعالى:
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ* الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [٤].
[١]- البقرة: ٢٥٣.
[٢]- المجادلة: ٢٢.
[٣]- النحل: ٧٠.
[٤]- البقرة: ١٤٦ و ١٤٧.