مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٨ - المقدمة
«إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي»!
و بقي الوضع هكذا طيلة القرن الهجري الأوّل- تقريبا- حتى أمر عمر بن عبد العزيز بجمع الحديث و تدوينه، و ذلك في الفترة الّتي كان فيها الإمام «محمّد الباقر» (عليه السّلام) متقلّدا للامامة، فتلألأ دوره ناصعا، و احيط بهالة من الإعجاب و الإجلال و التقدير، و توّج بجواهر العلم التي زيّنت بعد ذلك تراث الإسلام و إلى يومنا هذا؛ فكان بحقّ كما قال جلّ و علا في الحديث القدسي:
«باقر علوم الأوّلين و الآخرين، و وارث الأنبياء و المرسلين».
و هكذا قدّرت المشيئة الإلهيّة أن يكون إمامنا الخامس هو الباقر للعلوم (عليه السّلام) ليبتدئ دوره الإلهي بفتح أبواب الثقافة و العلوم و المعرفة و الحديث على مصاريعها، بعد أن أرسى أجداده و آباؤه الميامين (عليهم السّلام) دعائم الدين بالسيف و الدم، و بعد أن أوصدت تلك الأبواب في ظروف قاسية صعبة؛
بدأ الإمام الباقر (عليه السّلام) بتوطيد أركان الإسلام بما آتاه اللّه من علوم جمّة.
أجل، لقد بقر إمامنا (عليه السّلام) العلوم الّتي تحتاجها الإنسانيّة برمّتها، و الّتي من أجلها بعث اللّه الأنبياء و الرسل، فوطئ (عليه السّلام) هام الحقائق بأقدام النبوّة و الإمامة؛
و أفاض على ولده «الإمام جعفر الصادق (عليهما السّلام)» من فيوضاته المقدسة و أفرغ عليه من نور علومه، فخرجت عنهما إلى عالم الحديث موسوعة كبرى لم يعرف التأريخ مثيلا لها، و قد تركت أثرها العميق و الواضح في مختلف المذاهب الإسلامية، و أنارت آفاق هذا العالم، و أنقذته من دياجير الجهل؛
و التأريخ يحدّثنا اليوم بأنّ من روى الحديث عن ولده الإمام الصادق (عليه السّلام) كان في حدود خمسة آلاف نفر- و لا ريب أنّهم كانوا أكثر بكثير من هذا العدد- و كانوا من بقاع شتّى و مناطق عديدة، و كان من ضمنهم أئمّة المذاهب الأربعة.
لقد كانت «المدرسة الباقريّة» هي الحجر الأساس الذي شيّد عليه «المدرسة