مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٧ - المقدمة
مسدّد نهل علمه من أصفى المنابع و أعذبها، و تربّى في أحضان الشرف و الفضيلة؛
فكان ذلك إمامنا «الباقر» (عليه السّلام)، الّذي كان طودا شامخا من العلم حال دون وصول البدع و السخافات إلى جوهر العقيدة الإسلاميّة، و بحرا زاخرا من عظيم الأخلاق و المكارم، غذّى روّاد الحقيقة و رجال الفكر، و قد كان في طليعة اهتماماته حرصه على نشر الشريعة الإسلاميّة، و أحكام الدين، و اصول الفقه الحقّ الحامل لروح الإسلام، و المتفاعل مع كافّة جوانب الحياة؛ فأسّس بذلك مدرسته الكبرى و الخالدة الّتي أنجبت فطاحل الفقهاء و كبار المحدّثين، ممّن أجمع القاصي و الداني على الإقرار بفضلهم، و ما أبان بن تغلب و محمّد بن مسلم، و زرارة بن أعين إلّا انموذجا من ذلك.
و هنا لا بدّ من ذكر حقيقة ما زال التأريخ و العلم يذكرها بألم و أسف شديدين و هي منع تدوين الحديث- ممّا كان له الأثر الكبير في تحجيم الاستفادة من الأحاديث النبويّة الشريفة، خصوصا ما أكّد منها على كرامة و حقّ أهل البيت (عليهم السّلام)- و ذلك من يوم قال رسول اللّه- قبيل وفاته- (صلى اللّه عليه و آله):
«ائتوني بدواة و كتف أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده».
فقالوا: إنّ رسول اللّه يهجر ... قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): قوموا! [١]
فكان ابن عباس بعد ذلك يقول: إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و بين أن يكتب لهم ذلك الكتاب.
حقّا لقد كانت رزيّة كبرى، و محاولة فاشلة أرادوا منها حجب شعاع الحقّ بغربال الضلال، و طمس نور الفضيلة بظلام الحسد، و حجّتهم: «حسبنا كتاب اللّه»! [٢]
و كأنّ العصبيّة و الجهالة أعمت قلوبهم، فأنستهم قوله تعالى: وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [٣]؛ و قول خاتم رسله و أنبيائه (صلى اللّه عليه و آله):
[١]- هذا حديث مشهور رواه مسلم في صحيحه: ٣/ ١٢٥٩ ح ٢٠، و البخاري في صحيحه: ٢/ ٨٥ و ج ٦/ ١١، و أحمد في مسنده: ١/ ٢٢٢، و كذا الطبري و ابن بطة و غيرهم.
[٢]- راجع في ذلك مناقب آل أبي طالب: ١/ ٢٣٥.
[٣]- الحشر: ٥٩.