مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٤١٨ - الأخبار الأئمّة الباقر (عليه السّلام)
بسم اللّه الرحمن الرحيم أمّا بعد، فقد جاءني كتابك تذكر فيه معرفة ما لا ينبغي تركه، و طاعة من رضا اللّه رضاه، فقبلت من ذلك لنفسك ما كانت نفسك مرتهنة لو تركته تعجب؛
إنّ رضا اللّه و طاعته و نصيحته لا تقبل و لا توجد و لا تعرف إلّا في عباد غرباء أخلاء من الناس، قد اتّخذهم الناس سخريّا لما يرمونهم به من المنكرات، و كان يقال: لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون أبغض إلى الناس من جيفة الحمار [١]، و لو لا أن يصيبك من البلاء مثل الذي أصابنا، فتجعل فتنة الناس كعذاب اللّه- و اعيذك باللّه و إيّانا من ذلك- لقربت على بعد منزلتك.
و اعلم- رحمك اللّه- أنّه لا تنال محبّة اللّه إلّا ببغض كثير من الناس، و لا ولايته إلّا بمعاداتهم، و فوت ذلك قليل يسير لدرك ذلك من اللّه لقوم يعلمون.
يا أخي! إنّ اللّه عزّ و جلّ جعل في كلّ من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضلّ إلى الهدى، و يصبرون معهم على الأذى، يجيبون داعي اللّه، و يدعون إلى اللّه فأبصرهم- رحمك اللّه- فإنّهم في منزلة رفيعة، و إن أصابتهم في الدنيا وضيعة؛
إنّهم يحيون بكتاب اللّه الموتى، و يبصّرون بنور اللّه من العمى، كم من قتيل لإبليس قد أحيوه و كم من تائه ضالّ قد هدوه، يبذلون دماءهم دون هلكة العباد، و ما أحسن أثرهم على العباد، و أقبح آثار العباد عليهم. [٢]
***
[١]- قال الفيض في الوافي: ٣/ ٢٦: المستفاد من قوله (عليه السّلام): «تذكر فيه ... إلى آخره» أن سعدا ذكر في كتابه أنّه عرف كذا، و أنّه قبل منه لنفسه كذا، و أنّه تعجب من كذا بأن يكون إلى قوله: «و من جيفة الحمار» من كلام سعد.
و يحتمل أن يكون فعجب أو تعجّب- على اختلاف النسختين- من كلام الامام (عليه السّلام).
و قوله «أخلاء» جمع خلو- بالكسر- و هو الخالي عن الشيء، و يكون بمعنى المنفرد.
و يقال: أخلاء إذا انفرد، أي هم أخلاء عن أخلاق عامة الناس و أطوارهم الباطلة، أو منفردون عن الناس، معتزلون عن شرارهم.
[٢]- ٨/ ٥٦ ح ١٧، عنه البحار: ٧٨/ ٣٦٢ ح ٣، و الوافي: ٣/ ٢٥ ح ٢.