مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٢٧٣ - الأخبار الأصحاب
فقال: يا محمد بن علي لا يزال الرجل منكم قد شقّ عصا المسلمين [١]، و دعى إلى نفسه، و زعم أنّه الإمام سفها و قلّة علم. و جعل يوبّخه، فلمّا سكت، أقبل القوم عليه، رجل بعد رجل، يوبّخه، فلمّا سكت القوم، نهض قائما، ثمّ قال:
أيّها الناس، أين تذهبون، و أين يراد بكم، بنا هدى اللّه أوّلكم، و بنا يختم آخركم، فإن يكن لكم ملك معجّل، فإنّ لنا ملكا مؤجّلا، و ليس [من] بعد ملكنا ملك، لأنّا أهل العاقبة، يقول اللّه عزّ و جلّ: وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ* [٢].
[١]- «شقّ العصا: كناية عن تفريق الجماعة. قال الفيروزآبادي: العصا: اللسان، و عظم الساق، و جماعة الإسلام، و شقّ العصا: مخالفة جماعة الإسلام، انتهى.
أقول: يحتمل أن تكون الإضافة بيانية، بأن شبّه المسلمين بعصا، يقوم به الإسلام، و تفريقهم بمنزلة شق عصا الإسلام، أو لاميّة بأن شبّه اجتماعهم بعصا يقومون به لأنّه بسبب قيامهم و بقائهم، أو المراد بعصا المسلمين تأديبهم و ضربهم و زجرهم عن المناهي، فمن فرّق جماعتهم فقد شقّ عصاهم، أي منعهم عن ذلك، أو أنّهم يشقّون و يكسرون العصا في تأديب هذا الّذي يريد تفريق جماعتهم. قال الجزري [في النهاية: ٣/ ٢٥٠]: فيه: لا ترفع عصاك عن أهلك: أي لا تدع تأديبهم و جمعهم على طاعة اللّه. يقال شقّ العصا: أي فارق الجماعة، و لم يرد الضّرب بالعصا، و لكنّه جعله مثلا. و قيل: أراد لا تغفل عن أدبهم و منعهم من الفساد.
و منه الحديث: إنّ الخوارج شقّوا عصا المسلمين و فرّقوا جماعتهم. و منه الحديث: إياك و قتيل العصا: أي إياك أن تكون قاتلا أو مقتولا في شقّ عصا المسلمين، انتهى.
و ربّما يؤيّد ما ذكره [من] المعنيين الأخيرين.
و قال الميداني في مجمع الأمثال [١/ ٣٦٤]: شقّ فلان عصا المسلمين: إذا فرّق جمعهم.
قال أبو عبيد: معناه فرّق جماعتهم، قال: و الأصل في العصا الاجتماع و الائتلاف و ذلك أنّها لا تدعى عصا حتّى تكون جميعا، فإذا انشقّت لم تدع عصا، و من ذلك قولهم للرجل إذا قام بالمكان و اطمأنّ به، و اجتمع له فيه أمره: قد ألقى عصاه.
قال البارقي: فألقت عصاها و استقرّ بها النوى.
قالوا: و أصل هذا أنّ الحاديين يكونان في رفقة، فإذا فرّقهم الطريق شقّا العصا الّتي معهما، فأخذ هذا نصفها، و ذا نصفها، يضرب مثلا لكلّ فرقة، انتهى» منه ره.
[٢]- الأعراف: ١٢٨، القصص: ٨٣.