التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٠ - من سورة المائدة - تسع آيات
المشركون، فقد أمر المسلمون ان لا يتعرضوا لهم و لا يمنعوهم عن المسجد الحرام، و لا يقوموا بعملية الانتقام و المقابلة بالمثل ازاء صد المشركين بوجه المسلمين قبل ذلك.
و هذا المعنى قد نسخ قطعا بآية السيف و آية إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ.
نعم للآية مسحة عموم: لا ينبغى للمسلم ان تأخذه حمية جاهلية فيتذكر عداء قديما و يقوم بعملية انتقامية و هو فى طريق عبادة اللّه.
اذ يجب ان يتناسى حينئذ جميع ما بينه و بين ما سواه تعالى، و يتفانى فى اللّه عز شأنه. و من ثم عبر بقوله «ان تعتدوا» و عقبه بكلية «و لا تعاونوا على الاثم و العدوان» تأكيدا على ان القيام بأى عملية انتقامية حينذاك اثم و ظلم، و هذا المعنى لا يقبل نسخا ابدا.
فلعل المقطع الثانى- ايضا- يعنى من اسلم من المشركين، فيجب ان يتناسى المسلمون وشائج العداء القديم التى فتها الاسلام، فان الاسلام يجب ما قبله، و المسلمون جميعا اخوان على صعيد الايمان.
و هذا نظير قوله تعالى بعد خمس آيات: وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَ اتَّقُوا اللَّهَ. روى: انها نزلت بعد فتح مكة، امر اللّه المسلمين ان لا يكافئوا اهل مكة بما سلف منهم.
و فى رواية اهل البيت عليهم السلام ان سورة المائدة هى آخر السور نزولا
. و ان ما فيها من احكام كلها محكمة و ناسخة لما قبلها، و ليس فيها حكم منسوخ، اذ لم ينزل بعدها سورة.
قال على عليه السلام: كان القرآن ينسخ بعضه بعضا، و انما كان يؤخذ من امر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بآخره. فكان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة، فنسخت ما قبلها و لم ينسخها شىء ... فعمل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و عملنا»[١].
[١] تفسير العياشى ج ١ ص ٢٨٨.