التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٢ - الطبقة الاولى
فقد رباه الرسول الاعظم صلّى اللّه عليه و آله منذ طفولته كما يحب فاحسن تربيته، و أدبه مكارم اخلاق الانبياء فأكمل تأديبه، حتى ساواه و كافأه صنوين، فكان أخا له و وزيره فى حياته، و وصيه و خليفته بعد وفاته.
قال عليه السلام: «و لقد كنت أتبعه اتباع الفصيل اثر أمه، يرفع لى فى كل يوم من اخلاقه علما، و يأمرنى بالاقتداء به، و لقد كان يجاور فى كل سنة بحراء فأراه و لا يراه غيرى، و لم يجمع بيت واحد يومئذ فى الاسلام غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و خديجة و انا ثالثهما، أرى نور الوحى و الرسالة، و اشم ريح النبوة، و لقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحى عليه صلّى اللّه عليه و آله. فقلت: يا رسول اللّه، ما هذه الرنة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته. انك تسمع ما اسمع، و ترى ما أرى، الا انك لست بنبى. و لكنك لوزير، و انك لعلى خير»[١].
و لعلك- أيها القارئ- تستغرب لو قلت لك: ان قراءة مصحفنا اليوم هى قراءة على عليه السلام! لقد كان عليه السلام حريصا على محافظة نص القرآن الاصل، و مر حديث تواتر النص الحاضر، يتعاهده المسلمون جيلا بعد جيل بكل امانة و اخلاص، معجزة قرآنية باقية، و قد وجد القوم ان النص الحاضر يتوافق كاملا مع قراءة حفص، و من ثم أسندوه اليه، نسبة مقلوبة يأتى تفصيلها.
لكن الشيء الذى نريده هنا: ان هذا النص موافق تماما مع قراءة حفص. و اذا ضممنا ذلك الى ما يقول أصحاب التراجم و كتب القراءات:
«و كانت القراءة التى أخذها حفص بن سليمان عن عاصم بن ابى
[١] شرح نهج البلاغة- لابن ابى الحديد- ج ١٣ ص ١٩٧ من الخطبة القاصعة.