التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣١ - مناقشة هذه الاركان
قال ابن وهب: سألت مالكا عن مصحف عثمان، فقال: ذهب[١].
و يروى الشاطبى عن مالك، أنه قال: «ان مصحف عثمان تغيب فلم نجد له خبرا بين الاشياخ»[٢] و فى كلامه هذا: انه حاول العثور عليه فلم يستطع، الامر الذى يدل على انقطاع اثره من صفحة الوجود بالكلية، و الا فلو كان له وجود، لما كان يختفي عن مثل مالك.
تلك حالة المصاحف العثمانية الاولى لم يعد لها أثر فى الوجود، أما سائر المصاحف فلا تصلح مقياسا لموافقتها او مخالفتها. لان قيمة تلكم المصاحف الاولى كانت باعتبار انتمائها الى الصحابة الاولين، اما غيرها فلم يثبت لها هذا الاعتبار.
و لعلك تقول: يحتمل ان تلكم المصاحف المتأخرة كتبت على نفس كتابة المصاحف الاولى حرفيا، قلت: هذا احتمال، و لا يمكننا ان نعتمد احتمالا نحتمله ما لم نستوثق من تحققه واقعا قطعيا. هذا فضلا عن التصريح بانها كتبت على اسلوب حديث كان يختلف عن اسلوب المصاحف الاولى بكثير، و الا لم تعد حاجة الى جمعها، فكانت تنقط و تشكل فحسب، اما ابعادها عن صفحة الوجود فلا سبب له سوى التغيير الجذرى الحاصل فيما بعد.
نعم، اصل املاء الخط- فى صورته البدائية- بقى محفوظا- نسبيا- لم يمسوه بيد اصلاح، حسب ما قدمنا[٣]. و سجل جزئياته ارباب المصاحف كابن الانبارى و ابن ابى داود و غيرهما، و كانوا هم حلقة الاتصال بيننا و بين المصاحف الاولى بعض الشيء، الامر الذى لا نستطيع الاستيثاق بكليته تماما.
[١] البرهان فى علوم القرآن ج ١ ص ٢٢٢.
[٢] وفاء الوفاء ج ٢ ص ٦٦٩.
[٣] فى الجزء الاول ص ٣١٧.