التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣ - ٦ - تحكيم الرأى و الاجتهاد
قال مكى: و وجه القراءة الاولى: ان «لا» بمعنى «ليس» و الخبر محذوف. و وجه الثانية: ان «لا» نفى للجنس دلالة على النفى العام.
لان التى بمعنى ليس لا تنفى الا واحدة و المقصود فى الآية هو العموم[١].
و قرأ الكسائى و حمزة: قل فيهما اثم كثير (البقرة: ٢١٩) بالثاء.
قال مكى: جعلاه من الكثرة، حملا على المعنى، و ذلك ان الخمر تحدث مع شربها، آثام كثيرة من لغط و تخليط، و سب و ايمان، و عداوة و خيانة، و تفريط فى الفرائض و فى ذكر اللّه تعالى و غير ذلك.
فوجب ان توصف بالكثرة، و لانه تعالى قد قال بعد ذلك: «و منافع للناس» فجمع المنافع، فكان يجب ان تكون الآثام ايضا جمعا. و ايضا فان وصف الاثم بالكثرة ابلغ من وصفه بالكبر ... و يسرد ادلة مسهبة ...
و قرأ الباقون بالباء من الكبر، على معنى العظم، اى فيهما اثم عظيم و لانهم اجمعوا ان شرب الخمر من الكبائر. و قد وصف اللّه الشرك بالعظم، فقال: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (لقمان: ١٣) فكذلك ينبغى ان يوصف ما قرب منه بالعظم، لانهما من الكبائر. و لانهم قالوا: ما دون الكبائر صغائر، فوجب ان يقال فى الكبائر: كبير، لان الكثير مقابل القليل، و الكبير مقابل الصغير.
ثم قال مكى: القراءتان حسنتان موجهتان، و الباء احب الى، لان الجماعة عليه، و لقوله تعالى: حُوباً كَبِيراً (النساء: ٢) و قوله:
وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ (البقرة: ٢١٧) (الكشف ج ١ ص ٢٩٢).
انظر الى هذا التضارب فى الآراء و الاختيارات، و كيف يتدخل مثل ابى محمد فى ترجيح احدى القراءتين على الاخرى، لحجج و تعاليل- ايضا- يعتمدها. و من ثم فان القائل بتواتر القراءات عن النبى صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يضرب على غير وتره.
و الغريب: ان كتب القراءات ربما يذكرون احدى الحروف، من
[١] المصدر ص ٢٨٥- ٢٨٦.