التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١ - ٦ - تحكيم الرأى و الاجتهاد
نعم لم يكن انكارهم على امثال هؤلاء لجانب تحكيمهم للآراء و الاذواق الاجتهادية، بل لجانب خروجهم عن موافقة مرسوم الخط، فالقراءة اذا كانت متوافقة مع ظاهر الرسم فلا تعد منكرة.
و قد كانت ميزة القراء السبعة و غيرهم من المشهورين المعتمدين، هو التزامهم بموافقة الرسم خطا، كما يحدثنا ابو محمد مكى بأن حفصا قرأ كُفُّوا بالواو، فخفف الهمزة واوا. و كان حقه ان ينقل حركة الهمزة الى الساكن قبلها، فيقول: كفا لكنه رفض ذلك، لئلا يخالف الخط، فأعمل الضمة الاصلية.
و من ثم تلك المحاولات لتوجيه القراءات الشاذة، بل لمطلق القراءات اذا كانت موافقة للرسم.
انظر كيف يوجه الدمياطى قراءة حمزة: وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ (النساء: ١) بجر الارحام عطفا على الضمير المجرور بالحرف، وفق مذهب الكوفيين[١]. و يوجه قراءة ابن عامر:
وَ كَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ (الانعام:
١٣٧). قرأ «قتل» مرفوعا نائب فاعل ل «زين» التى قرأها مبنية للمفعول. و نصب «اولادهم» على انه مفعول به للمصدر. و جر «شركائهم» على اضافة المصدر اليه مع الفصل[٢] و امثال ذلك كثيرة فى توجيه القراءات الشاذة.
و الكتب فى توجيه القراءات، و لا سيما الشاذة و ذكر عللها و حججها كثيرة، منها: الحجة لأبي على الفارسى، و المحتسب لابن جنى، و املاء ما من به الرحمن لأبي البقاء، و الكشف عن وجوه القراءات السبع لمكى ابن ابى طالب. و غير ذلك مما يطول.
و اليك نماذج من تعاليل و حجج اعتمد عليها القراء، تكفى برهنة على مدى تحكيم الرأى و الاجتهاد فى الاختيار:
[١] اتحاف فضلاء البشر ص ١٨٥.
[٢] المصدر ص ٢١٧.