التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٣ - من سورة البقرة - ست و عشرون آية
قيل: انها منسوخة بآية السيف و بقوله تعالى: «وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ- البقرة: ١٩٣»[١] و الصحيح: انها بالنسبة الى مبادأة القتال محكمة، اما اذا ابتدأ الكفار بالقتال فتجوز مقاتلتهم فى الاشهر الحرم، نظير مقاتلتهم عند المسجد الحرام. نعم شرعت المبادأة عام الفتح فقط ثم رجع الحكم الى ما سبق أبدا،
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ان اللّه أحلها لى فى هذه الساعة و لم يحلها لاحد من بعدى الى يوم القيامة[٢]
. فالآية اذن ليست منسوخة، و لا سيما اذا قلنا بان ناسختها هى آية السيف، و ذلك لانها مشروطة بانسلاخ الاشهر الحرم[٣] الامر الذى نستغربه من ابن حزم.
١٧- «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ- ٢١٩».
قال ابن حزم: نسختها «و اثمهما اكبر من نفعهما». و كذا قوله:
«لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى- النساء: ٤٣». و اخيرا قوله تعالى:
«فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ- المائدة: ٩١».
اقول: ليس هذا نسخا، بل هو من التدرج فى الاحكام الى اللحن الاشد، و الا فالخمر كانت محرمة منذ البدء، غير أن لحن التحريم اشتد شيئا فشيئا ازالة لما تمكن فى نفوس القوم من هذه العادة الخبيثة.
١٨- «يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ- ٢٢٠».
العفو: ما فضل عن نفقة الاهل و العيال. كان المسلمون قد امروا فى بدء الهجرة بانفاق ما يفضل لديهم من مال من غير تعيين للمقدار.
ثم نسخت هذه الشريعة بتشريع الزكاة المفروضة «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً- التوبة ١٠٣»
[١] مجمع البيان ج ١ ص ٣١٠.
[٢] مجمع البيان ج ٢ ص ٣١٢.
[٣] « فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ- التوبة: ٥».