تفسير نور الثقلين - العروسي الحويزي، الشيخ عبد علي - الصفحة ٢٨٩ - سورة الحشر
فنحن نكتفي بهذا، فقال رجل من الجلساء: انا رأيناكم تزهدون في الاطعمة الطيبة و مع ذلك تأمرون الناس بالخروج من أموالهم حتى تمتعوا أنتم منها، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: دعوا عنكم ما لا ينتفع به، أخبرونى أيها النفر أ لكم علم بناسخ القرآن من منسوخه و محكمه من متشابهه، الذي في مثله ضل من ضل و هلك من هلك من هذه الامة؟ فقالوا: أو بعضه فاما كله فلا، فقال لهم: فمن هنا أتيتم[١] و كذلك أحاديث رسول الله صلى الله عليه و آله فاما ما ذكرتم من اخبار الله عز و جل إيانا في كتابه عن القوم الذين أخبر عنهم بحسن فعالهم فقد كان مباحا جائزا، و لم يكونوا نهوا عنه و ثوابهم منه على الله عز و جل؛ و ذلك ان الله جل و تقدس امر بخلاف ما عملوا به، فصار امره ناسخا لفعلهم، و كان نهى الله تبارك و تعالى رحمة منه للمؤمنين و نظرا لكي لا يضروا بأنفسهم و عيالاتهم، و منهم الضعفة الصغار و الولدان، و شيخ الفاني و العجوزة الكبيرة الذين لا يصبرون على الجوع، فان تصدقت برغيفي و لا رغيف لي غيره ضاعوا و هلكوا جوعا فمن ثم قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: خمس تمرات أو خمس قرص أو دنانير أو دراهم يملكها الإنسان و هو يريد ان يمضيها فأفضلها ما أنفقه الإنسان على والديه، ثم الثانية على نفسه و عياله، ثم الثالثة على قرابته الفقراء، ثم الرابعة على جيرانه الفقراء، ثم الخامسة في سبيل الله و هو أحسنها اجرا، و قال للأنصاري حين أعتق عند موته خمسة أو ستة من الرقيق و لم يكن يملك غيرهم و له أولاد صغار لو أعلمتمونى امره ما تركتكم تدفنوه مع المسلمين بترك صبية صغارا يتكففون الناس[٢].
ثم قال: حدثني أبى ان رسول الله صلى الله عليه و آله قال: ابدأ بمن تعول الأدنى، ثم هذا ما نطق به الكتاب ردا لقولكم، و نهيا عنه مفروضا من الله العزيز الحكيم، قال: «وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً» أ فلا ترون ان الله تبارك و تعالى قال غير ما أراكم تدعون الناس اليه؛ من الاثرة على
[١] اى دخل عليكم البلاء و أصابكم ما أصابكم.