قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٢٨ - الفصل الخامس و الأربعون فيه ذكر التزويج و تركه أيهما أفضل و مختصر أحكام النساء في ذلك
علمه و نفاذ فطنته و خفي استدلاله، فلا يجامعهن حتى يطهرن. فإذا تطهرن يعني بالماء و يكره الجماع مستقبل القبلة لحرمة القبلة. و في الخبر، إذا جامع أحدكم أهله فلا يتجرّدا تجرّد العيرين يعني الحمارين. و روينا أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا جامع غطى رأسه و خفض صوته و قال للمرأة: عليك السكينة، و من جامع مرة و أراد العود فليغسل فرجه قبل ذلك، فإن احتلم فلا يجامع حتى يغسل فرجه أو يبول، فإن جامع بعد الاحتلام من غير غسل خيف على ولده إن كان من جماعة أن يصيبه لمم من الشيطان. و يكره له الجماع في ثلاث ليال من الشهر: في أول ليلة و في آخر ليلة و في ليلة النصف. يقال إنّ الشيطان يحضر الجماع في هذه الليالي و قيل إنّ الشياطين يجامعون فيها. و روي عن عليّ عليه السلام كراهة ذلك و أبي هريرة و معاوية رضي الله عنهما. و من العلماء من كان يستحب الجماع في يوم الجمعة لأحد التأويلين من قوله صلى الله عليه و سلم: من غسل و اغتسل أي غسل أهله. و يكره الجماع في أول الليل لئلا ينام على غير طهارة، فإن الأرواح تعرج إلى العرش فما كان منها طاهرا أذن له في السجود، و ما كان جنبا لم يؤذن له. و الرؤيا أيضا على طهارة من غير جنابة، و على وضوء أصح و أفضل إلّا أن يغتسل ثم ينام فإن لم يغتسل و جامع فلا ينام و لا يطعم حتى يتوضأ وضوءه للصلاة. و قد جاء رخصة في النوم بعد الجماع من غير أنّ يمس ماء، فعله رسول الله صلى الله عليه و سلم و أنا أكره أن يحلق الرجل رأسه أو يقلم ظفره أو يستحد أو يتورّى و يخرج دما و هو جنب، فإن العبد يرد إليه جميع شعره و ظفره و دمه يوم القيامة، فما سقط منه من ذلك و هو جنب رجع إليه جنبا. و قيل: طالبته كل شعرة بجنابتها. و قد روينا معنى هذا في حديث مقطوع موقوف عن الأوزاعي و يحيى بن كثير قال الأوزاعي: قد كنا نقول: لا بأس أن يطأ الجنب، حتى سمعنا بهذا الحديث و النص فيه على النهي أن يطأ الرجل جنبا، و لا يحل للرجل من امرأته إلّا الفرج لا غير على أي حال شاءوا من جامع، فليتمهل على أهله و ليتوقّف حتى تقضي هي نهمتها كما قضى هو نهمته. فربما أخر إنزال المرأة بعد الرجل فيكون ذلك كريها إليها، فإن علم أنها قد سبقت بالشهوة لم يحتج إلى توقف و ليس يخفي سبقها بالشهوة على فطن. و أوفق ما يكون الجماع بينهما إذا اتفقت الشهوتان منهما معا، و أكثر ما يكون التباغض بين الزوجين لاختلافهما من طبع الإنزال أن يكون طبعه سابقا لطبعها أيضا.