قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٢٦ - الفصل الخامس و الأربعون فيه ذكر التزويج و تركه أيهما أفضل و مختصر أحكام النساء في ذلك
و الزهو و الجبن. فإن المرأة إذا كانت مزهوة أي معجبة استنكفت إن تكلم الرجال، و إذا كانت جبانة فرقت من كل شيء فلم تخرج من بيتها. و أكره العزل كراهية شديدة فإنه دقيقة من الشرك الخفي، و فيه نهى رسول الله صلّى الله عليه و سلم. و كرهه جماعة من السلف الصالح، و لم يكن خيار المتّقين يعزلون. و أقلّ ما فيه، الخروج من التوكل على الله عزّ و جلّ، و قلة الرضا بحكم الله تعالى. و كان ابن عباس رضي الله عنه يقول العزل هي الموءودة الصغرى فلقوله هذا استنباط حسن من السنّة، و ذلك أنه روي عن النبي صلّى الله عليه و سلم في فضائل الجماع: أنّ الرجل ليجامع أهله فيكتب له من جماعة أجر ولد ذكر قاتل في سبيل الله عزّ و جلّ. فقيل له: و كيف ذلك يا رسول الله فقال: أنت خلقته، أنت رزقته، أنت هديته، إليك محياه إليك مماته. قالوا: بل الله خلقه، و رزقه، و هداه، و أحياه، و أماته. قال: فأنت تراه في هذا المعنى في يقول: إذا جامعت فأمنيت في الفرج. و قد قال الله تعالى: أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ. أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ [الواقعة: ٥٨]. فإذا لم يخلق الله من منيك خلقا حسب لك كأنه قد خلق منه ذكرا على أتم أحواله و أكمل أوصافه بأن يقاتل في سبيل الله فيقتل، لأنك قد جئت بالسبب الذي عليك و ليس عليك خلقه و لا هدايته، و إنما يقدر على ذلك الله عزّ و جلّ و هو فعله مجرّدا فكان لك أجر ما لو فعله الله تعالى إذا قد أتيت بما أمكنك عمله، فلذلك قال ابن عباس: هو الموءودة الصغرى لأنه يوجد العزل بعدم هذا الفضل، إذا كان العبد سبب عدمه لأنه لم يفعل ما يتأتى منه الولد، فذهب فضله و حسب عليه فتله، و إنما قلنا أنّ العزل دقيقة من الشرك لأن أهل الجاهلية كان سبب قتلهم بناتهم معاني أحدها خشية العار بهن، و منها كراهة الإنفاق عليهن و منها الشح و خوف الفقر و الإملاق. و كان العرب من ولد له بنون و بنات فمات البنون و عاش البنات سموه أبتر و ذموه بذلك. و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم بهذا الوصف الذي يكرهون مات ولده الذكر و عاش البنات، فلذلك كان يسمونه مذمّما أي مذموما عندهم. و منه سبه العاص بن وائل حتى قال، إنك أبتر فرد الله عزّ و جلّ عليه فقال تعالى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر: ٣]. أي لا ذكر لك بعد موتك قد انقطع ذكرك بموت الذكور من ولدك فقال الله عزّ و جلّ: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر: ٣]. الذي ينقطع ذكره و ثناؤه فلا يذكر بخير بعد موته، فأما أنت فقد رفعت لك ذكرك تذكر معي إذا ذكرت. و كانت العرب تقول: من كنّ له أحد الحوبات الثلاث، لم يشرف عشيرته و لم يسد قومه يعنون بالحوب الأم و الأخت و البنت، و الحوبات جمع حوب و هي كبيرة قال الله تعالى: في أكلكم: أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً كانَ حُوباً كَبِيراً [النساء: ٢- ١٠]. عندي ليس هذا الذي قلتم عندكم.