قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٣٠ - الفصل الخامس و الأربعون فيه ذكر التزويج و تركه أيهما أفضل و مختصر أحكام النساء في ذلك
بعده على التحليل لا يجوز أيضا، و هذا كله ثمرة الجهل و مخالفة السنة. و قد قال الله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١]. ثم قال: لا تدري لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمرا يعني ندما من المطلق فتعجب الزوجة، فإذا كان قد طلق تطليقة واحدة أو اثنتين حلت له من العدة من غير عقد و بعد انقضائها بغير زوج ثم قال: وَ من يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً أي يتّقي الله فيطلق في العدة يجعل له مخرجا في جواز الرجعة كما ذكرناه و من طلق ثلاثا مرة واحدة أو طلق في الحيض، وقع الطلاق و حرمت المرأة و لم تحل له إلّا بعد زوج إن كان قد خالف السنّة و وافق كراهة الأئمة بآثار، قد كثرت في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و عن عمر و ابنه و أبي بن كعب و زيد بن ثابت و ابن عباس و جملة من الصحابة و التابعين. و الأصل فيما ذكرناه من العزيمة و الرخصة في فعل النكاح و تركه قول الله عزّ و جلّ: وَ أَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [النور: ٣٢]. فأمر بالنكاح و هو أعلم بالخير و الصلاح، و الأيامى جمع أيم و هي التي لا بعل لها، و قد يسمى به الرجل الذي لا زوجة له أيضا كما يقال ثيبا و بكرا ثم قال: وَ الصَّالِحِينَ من عِبادِكُمْ [النور: ٣٢]. فلو لا أنّ النكاح فاضل ما خص به الصالحين و ضمه إلى فضلهم، و هم أهل ولايته لقوله عزّ و جلّ و هو يتولى الصالحين. ثم قال: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ الله من فَضْلِهِ [النور: ٣٢]. و الله أعلم بالأغنياء كيف هم و قد يغنيهم بالأشياء كقوله: أَغْنى وَ أَقْنى [النجم: ٤٨]. و قد يغنيهم عن الأشياء و هي القناعة و الزهد، و قد يغني نفوسهم عن الإعراض لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم: ليس الغني بكثرة العرض إنما الغني غني النفس، و قد يغنيهم باليقين كما قال أيضا: كفى باليقين غنى. و قد يغنيهم بغض البصر و تحصين الفرج كما قال: من استطاع الباءة فليتزوّج فإنه أغض للبصر و أحصن للفرج ثم إنّ الله عزّ و جلّ قال في الخبر الثاني: من وعد الغني في التفرق و ذلك أيضا في قوله عزّ و جلّ: وَ إِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ الله كُلًّا من سَعَتِهِ [النساء: ٣]. فقد أجمل وجوه الإغناء كلها في هذا المعنى الآخر أيضا، و يزيد عليه الغنية بالعصمة و الاستغناء عن المكاسب و عن السؤال و المحاسبة على الاكتساب، و الغنية عن حال النساء و أحكامهن. ثم قال في الأمر الثاني من البيان الثاني: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ من النِّساءِ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ [النساء: ٣]. فهذا أدون من الأول لأنه علقه باختيارنا إن طاب لنا، ثم رفع فيه الأربع توسعة منه و تفضيلا لعلمه بعلاج القلوب و طبائع النفوس و تفاوت سكونها و حركاتها، و وجود كفايتها و مصالحها ثم رحمنا فقال: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا [النساء: ٣]. فرد إلى الواحدة و هو الحال الأوسط بين الأربع و بين التعزب، و خير الأمور أوسطها و في قوله: ألاّ تعدلوا ثلاثة أوجه: تعدلوا