قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٨ - فهرس الجزء الثاني شرح مقام التوكل و وصف أحوال المتوكلين و هو المقام السابع من مقامات اليقين
فو الله ما اهتممت برزقي منذ قرأتها فاسترحت. و قد كان سهل بن عبد الله يقول: المتوكّل إذا رأى السبب فهو مدّع. و قال: ليس مع الإيمان أسباب، إنما الأسباب في الإسلام، معناه ليس في حقيقة الإيمان رؤية الأسباب و السكون إليهما، إنما رؤيتها و الطمع في الخلق يوجد في مقام الإسلام. و من ذلك ما قال لقمان لابنه: «للإيمان أربعة أركان: لا يصلح إلا بهنّ كما لا يصلح الجسد إلا باليدين و الرجلين: التوكّل على الله، و التسليم لقضائه، و التفويض إلى الله، و الرضا بقدر الله». فحال المتوكّل سكون القلب عن الاستشراف إلى العبيد و التطلّع و قطع الهمّ عن الفكرة فيما بأيديهم من التطمّع، عاكف القلب علّى المقلب المدبر، مشغول الفكر بقدرة المصرف المقدر، لا يحمله عدم الأسباب على ما حظّره العلم عليه و ذمّه، و لا يمنعه أن يقول الحق و أن يعمل به أو يوالي في الله و يعادي فيه جريان الأسباب على أيدي الخلق، فيترك الحق حياء منهم أو طمعا فيهم أو خشية قطع المنافع المعتادة، و لا تدخله نوازل الحاجات و طوارق الفاقات في الانحطاط في أ هواء الناس و الميل إلى الباطل أو الصمت عن حقّ لزمه، أو يوالي في الله عدوا أو يعادي وليا، ليرب بذلك حاله عندهم، أو يشكر بذلك ما أسدوه إليه بالكفّ عنهم، و لا يرب الصنعة التي قد عرف بها لنظره إلى الصانع، و لا يتصنّع لمصنوع دخله لعلمه بسبق الصنع لدوام مشاهدته، و لا يسكن إلى عادة من خلق، و لا يثق بمعتاد من مخلوق، إذ قد أيقن برزقه و نفعه و ضرّه من واحد. فهذه المعاني من فرض التوكّل، فإن وجدت في عبد خرج بها عن حدّ التوكّل دون فضائله و تدخّله في ضعف اليقين. و قد كان الأقوياء إذا دخل عليهم شيء من هذه الأهواء المفسدة لتوكّلهم، قطعوا تلك الأسباب، و حسموا أصولها و اعتقدوا تركها، و عملوا في مفارقة الأمصار و التغرّب عن الأوطان و ترك الآلاف و الإيلاف، فأخرجوا ذلك من حيث دخل عليهم، و وضعوا عليه دواءه و ضده من حيث تطرق إليهم، حتى ربما فارقوا ظاهر العلم و خالفوا علم أهل الظاهر إلى علوم الباطن و حكم مشاهدتهم و قيامهم بحقّ أحوالهم، إذ ليس أهل الظاهر حجة عليهم في شيء إلا و هم عليه حجة في مثله، لأن الإيمان ظاهر و باطن، و العلم محكم و متشابه، و لأن أهل الحق أقرب إلى التوفيق و أوفق لإصابة الحقيقة. كل ذلك رعاية لصحة توكلّهم و وفاء بحسن عهدهم و عملا بأحكام حالهم لئلا تسكن قلوبهم لغير الله، و لا تقف هممهم مع سوى الله، و لا تطمئن نفوسهم إلى غيره، و لا يتخذوا سكنا سواه، و لا يسكنوا إلى أهواء النفوس و ينخدعوا لسكونها عن سكون القلب، فيسيء ذلك يقينهم و يوهن إيمانهم الذي هو الأصل، و يستأسر قلوبهم التي هي المكان